محمد محمد أبو ليلة
14
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
التوراة والإنجيل والزبور ، إنما يتلوها أهلها نظرا ولا يحفظونها كأن يسردها أحدهم عن ظهر قلبه سردا ، ولأنهم لا يكادون يحفظونها من أولها إلى آخرها كما أنزل اللّه حفظا ، كما تحفظ هذه الأمة القرآن ، ومن عجيب تيسير اللّه القرآن إجراؤه للذكر والمذاكرة بإقداره لمن لم ينزل بلسانه ، ومن لا يفهم معانيه أن يحفظه ، كما يحفظه من نزل بلسانه من العرب وأمكنه أن يفهم تأويله ، وأن يحفظه الأمي الذي لا يكتب ولا يتلو الكتب ، والقارئ الرّيّض ، والصغير والكبير والمعرب والفصيح والألكن " « 1 » . ذكر اللّه تعالى أن القرآن هو نعمة اللّه على البشر ، وأن فيه الهدى والنور واليقين والسعادة والفوز في الدارين ؛ وأن اللّه ما فرّط فيه من شيء ولا ترك أمرا فيه صلاح الإنسان إلا أنزله فيه ، وأن القرآن كتاب جامع لكل أصول العلوم بصنوفها المختلفة ، بل إن القرآن نفسه كتاب علم ؛ وعلى قاعدته أسّست المعرفة الإسلامية ، وبه قامت دولة الإسلام وسيست الأمة الإسلامية ودبرت شؤونها . وعلم القرآن ليس علما تجريديّا أو نظريا يراد به التهويم أو التهويل أو عزل الناس عن الحياة ، وإنما هو علم مقرون بالعمل لا ينفك عن الإيمان الراسخ والأخلاق السامية والقيم العالية والأهداف النبيلة البتّة ، وكما ذكر اللّه تعالى فضل القرآن ، كذلك نوّه النبي صلى اللّه عليه وسلم بالقيمة الأسمى لهذا الكتاب العظيم ؛ عن عثمان بن عفان عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : " خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه " انفرد بإخراجه البخاري . وروى عبد اللّه بن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه يقال لقارئ القرآن : " اقرأ وارق ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا فإنّ منزلتك عند آخر آية تقرؤها " أخرجه أبو داود « 2 » ؛ وروى عقبة بن عامر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم - أنه قال : " لا يعذّب اللّه قلبا وعى القرآن " . وروى أنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : " إن للّه أهلين من الناس حملة القرآن هم أهل اللّه وخاصته " أخرجه الديلمي عن عقبة بن عامر . وروت عائشة رضى اللّه عنها ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : " من تعلم القرآن وحفظه ، أدخله اللّه الجنة ، وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلّ قد استوجب النار " رواه ابن ماجة في المقدمة . ومن خطبة للنبي صلى اللّه عليه وسلم : " إن الحمد للّه ، أحمده وأستعينه ، نعوذ باللّه من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ؛ من يهد اللّه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ؛ وأشهد أن لا إله إلا اللّه ، وحده لا شريك له ؛ إن أحسن الحديث كتاب اللّه ، قد أفلح من زيّنه في قلبه ،
--> ( 1 ) معاني القراءات ج 1 ص 91 92 عدّلنا كلمة " يحفظونه " ، وشطبنا كلمة " منهم " في النص ليستقيم المعنى . ( 2 ) حديث رقم 1464 ج 4 ص 73 ؛ والترمذي في السنن ( 4 / 250 )