محمد محمد أبو ليلة

135

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

بعد أن ساق ابن كثير هذه الرواية علق عليها بقوله : " هذه رواية عامة المفسرين الظاهريين ، أما أهل التحقيق فقد قالوا هذه الرواية باطلة موضوعة ، واحتجوا على ذلك بالقرآن والسنة وبالمعقول ؛ أما من القرآن فقول اللّه : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) ( الحاقة : 44 : 47 ) . وبقوله تعالى : قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي ( يونس : 15 ) ، وقوله : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) ( النجم : 3 ) ، ومضمون هذه الآيات كلها ، ينافي ما حمّله بعض المفسرين المتعجلين على سورة النجم بسبب دعوى الغرانيق . ولو كان النبي صلى اللّه عليه وسلم قد قرأ عقيب آية سورة النجم ، هذه الكلمات المفتراة " تلك الغرانيق " لكان قد ظهر كذب اللّه تعالى في الحال « 1 » ؛ تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا . هذه القصة نقلها المؤرخون وكتّاب السيرة ، واشتملت عليها كتب التفاسير ، وتلقفها المستشرقون فيما بعد وكأنها " الدنميت " الذي سيفجرون به القرآن ؛ وللأسف نجد من المسلمين من يجزم بصحتها غافلا عمّا فيها من معارضة لقانون الوحي ولعصمة جميع الأنبياء . ومن المهم أن نعرف أن حديث الغرانيق حديث منكر من جهة الرواية ، ومن جهة الدراية ؛ لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة الصحيحة ، ولا رواة ثقة بسند سليم متصل ؛ بل رواه جماعة بأسانيد ضعيفة واهية مقطوعة أو موضوعة ، لا أصل لها ، " وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب ، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم " « 2 » وكان ينبغي أن يعرف هؤلاء المفسرون أن الاستدلال على امتناع تدخل الشيطان في قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم أولى من محاولة تثبيت الرواية المتهافتة ، واللّه تعالى يقول : وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 25 ) ( التكوير : 25 ) ويقول : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما

--> ( 1 ) انظر : الفخر الرازي . مفاتيح الغيب تفسير سورة النجم . وإسماعيل حقي . روح البيان . بيروت دار إحياء التراث العربي 1405 - 1985 م ج 6 ص 49 ، وج 12 ص 5 ، 51 . ( 2 ) انظر : القاضي عياض . الشفا ج 2 ص 289 - 293 .