محمد محمد أبو ليلة

133

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

والكلام في الناسخ والمنسوخ جد واسع ومتشعب ؛ وقد صنّف فيه جماعة من أهل العلم عظيمة « 1 » . والنسخ بعلم اللّه تعالى الكلي ، وليس فيه بداء ، ولا هو فيه دليل على نقص علمه سبحانه وتعالى ؛ والمعترضون على النسخ من أهل الأديان ، كاليهود والنصارى ، لا يمكن أن يدللوا على استحالته عقليا بطريقة حاسمة . وأضف إلى ذلك أن كتبهم تحمل أدلة كثيرة على جواز النسخ ؛ وقد رد عليهم وناقشهم بعض أئمة المسلمين كابن حزم الأندلسي « 2 » ، والشهرستاني « 3 » ، وغيرهم ؛ والمقام لا يتسع للدخول في محيط هذا الموضوع الواسع ، وفيما سقناه كفاية . ودعوى شخت وجولدزيهر بأن القول بالنسخ إنما استحدثه المتأخرون من الفقهاء ، لإيجاد حلول لمشكلات ومعضلات فقهية ، فقول جدّ مبتور ؛ وقد بيّنّا أن رأى الجمهور ، بل الإجماع ، على جواز وقوع النسخ في الأحكام . قصة الغرانيق أشار الكاتب إلى قوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 ) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 53 ) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 54 ) ( الحج - 52 : 54 ) . وأشار أيضا إلى حكاية الغرانيق ( تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ) ، وقال : إن هذه الآيات الخاصة بالغرانيق تعتبر موضع تسليم من الكتّاب الغربيين ، الذين رأوا فيها دلائل تاريخية تبعدها عن أن تكون وضعية أو ملفقة . ولكن ويلش على الرغم من هذا يعتبر القصة ملفقة ، وهي في نظره من اختراع المفسرين ، الذين ولدوها لتأييد نظريتهم في القول بالناسخ والمنسوخ .

--> ( 1 ) المصدر نفسه والموضع ، والفهرست ص 56 . والإمام الغزالي . المستصفى من علم الأصول . ت : إبراهيم محمد رمضان بيروت دار الأرقم ج 1 ، ص 317 وما بعدها . ( 2 ) انظر : كتابه الفصل في الملل والنحل القاهرة ، ط . صبيح الجزءين الأول والثاني ، وكذلك رسالته في " الرد على ابن النغريلة اليهودي " ط . القاهرة بتحقيق عباس إحسان . ( 3 ) انظر : الشهرستاني الملل والنحل بهامش كتاب الفصل السابق ، وانظر أيضا ، السيوطي ، الإتقان ج 1 ص 59 - 77 .