محمد محمد أبو ليلة
122
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
لَمَجْنُونٌ ( 6 ) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 7 ) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ ( 8 ) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) ( الحجر : 6 : 9 ) ، وأيضا قوله : أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ( 70 ) ( المؤمنون : 70 ) هذا هو المعنى الصحيح للآيات وهذا هو الغرض الصحيح منها . وأما ما ادّعاه ويلش من أن محمدا قد بدأ يكتب القرآن ، ويؤلف منه كتابا ، استجابة لتحديات خصومه من كفار مكة ، فأمر غريب ، وعجيب حقا ؛ فقد رأينا أنه ليس في أي من الآيات السابقة أو غيرها من الآيات أي إشارة إلى هذا المعنى البتّة ؛ وليس يقلّ عن هذا غرابة ، ما ادعاه الكاتب من " أن الغرض من تأسيس دولة قوية ، وأمة مستقلة في المدينة ، ومتميزة عن أهل الكتاب ، كان أيضا من الأسباب التي تكمن وراء كتابة القرآن حيث كان القصد من كتابته أن يكون بمثابة القانون والدستور للدولة الإسلامية الجديدة " . إن القرآن إنما نزل ليكون دستورا ، وفرقانا ، ومعيارا ، يفرّق به المسلمون بين الحق والباطل ، والنافع والضار ، والخطأ والصواب ، وليكون سلوكا لهم ، ومنهج حياة يلتزمون به ، ومصدرا للاعتقاد ، والمعاملات ، والعبادات ، والأخلاق التي تقوم عليها حياتهم ويستمر بفضلها والعمل بها وجودهم . يشير الكاتب بعد ذلك إلى قوله تعالى : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 3 ) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ( 4 ) ( آل عمران : 3 - 4 ) ، سمى اللّه تعالى " القرآن " هنا " فرقانا " إما لأنه يفرق بين الحق والباطل ، والفضيلة والرذيلة ، والتوحيد والشرك ، والكفر والإيمان ، والطاعة والمعصية ، وبين أهل الجنة وأهل النار ؛ وإما لأن اللّه أنزله مفرقا على اعتبار حالة المنزّل عليه ، وحالة المنزّل لهم ؛ وقد قال اللّه تعالى إنه أنزل الفرقان على موسى أو على موسى وهارون : وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 53 ) ( البقرة : 53 ) ، وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ( 48 ) ( الأنبياء : 48 ) ، ويظهر أن " الفرقان " في هاتين الآيتين ليس اسما لكتاب ، كما هو الحال بالنسبة للقرآن ؛ وإنما هو بمثابة الحكمة والقوة على التمييز ، أو هو إشارة على المعجزة التي أعطاها اللّه لموسى وهارون ، ليفرقا بها بين الحق والباطل ، وبين سحر