محمد محمد أبو ليلة
106
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
خطبهم وأقوالهم ؛ ثم إن بلغاءهم ، بخلاف المستشرقين ، قد اعتنقوا الإسلام فيما بعد ، وآمنوا بالقرآن ، وخضعوا لبلاغته ، وتباروا في محاكات أسلوبه وصياغته حتى أشربته قلوبهم ، وتدارسته عقولهم ، واتسمت به حياتهم ، وانبعثت منه علومهم ومعارفهم وقيمهم وحضارتهم . يعرض الكاتب بعد ذلك لقوله تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 ) ( النحل : 103 ) . تعليق الكاتب على هذه الآية هو كتعليقه على الآية السابقة في البطلان ؛ إذ أنه يزعم أن القرآن لم ينكر هذا الاتهام ؛ بل إنه يضيف إلى ذلك أن القرآن يصر فقط على أن ألفاظه ( أي القرآن ) وعباراته لم تأت من معلم بشر ، بمعنى أن المعاني كانت قد ألقيت ، أو اقترحت لمحمد ؛ وهو الذي صاغها وصبها في قوالبها اللغوية . وكما هو واضح ، يعتمد الكاتب في تفسيره هذا الغريب ، على كلمة " لسان " التي هي بمعنى اللغة . هذا مع أن القرآن ينفى نفيا قطعيا ، إمكان التفاهم بين محمد العربي الذي لا يعرف غير لغة العرب ، وبين الشخص الذي يدّعون أنه كان يعلمه ، وذلك لاختلاف اللغتين ، وليت شعري كيف يستطيع الأعجمى ، المغموز به ، أن يصل إلى هذه الأفكار والمعاني الجمة والتامة والمتضاعفة في الحسن والرواء ، والتي تصل إلى درجة الشمول والإحاطة بكل أنواع العلوم ، وكيف لمثل هذا الرجل الأعجمى الغمر أن يظل مغمورا ويعيش مدحورا ومطحونا ، ولديه كل هذه العلوم المعجزة والمعارف المتنوعة ؟ وكيف يجوز أن يجود شخص ، بكل هذه الأفكار والمعاني والأبنية ، لشخص لا يعرفه ولا ينتفع به ؟ إننا لكي نحصل على علم كعلم القرآن أو قريب منه ، نحتاج إلى عقول علماء أهل الدنيا معا إنسهم وجنهم ، وليس إلى شخص واحد أعجمي اللسان ، غلف البيان ، لم يسجل له التاريخ أي شأن ، ولا نعرف متى ولد ، ولا كيف عاش ، ولا متى مات ؛ بل إننا لا نعرف له اسما - على وجه التحقيق - ولا مهنة - على وجه التدقيق ؛ فقد قال البعض إن اسمه " يعيش " ، وآخرون قالوا بل هو " جير " ، وفريق ثالث قال إن اسمه كان " بلعام " ؛ وقال البعض إنه كان حدادا أو بياعا وهكذا دواليك ؛ ثم إن الآية واضحة في ردّ دعوى المشركين قديما ، والمستشرقين حديثا ، في أنه لم تكن هناك لغة مشتركة يتفاهم من خلالها