محمد محمد أبو ليلة

104

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

القرآن ، وأن القرآن من أساطير الأولين طلب محمد كتابتها أو استنساخها ، فكانت تملى عليه أول النهار وآخره " ؛ انظر كيف أخذ ويلش قول الخصوم ، وهم كفار قريش ، على أنه تقرير من اللّه الذي أنزل القرآن ، تقرير صريح واعتراف واضح منه تعالى بأن محمدا قد استعان بالبشر في كتابة القرآن ؛ ولسنا ندري متى كان ذلك ، ولا من هو يا ترى الذي فعل ذلك ؟ تجاهل الكاتب متعمدا أو غير متعمد ، قول اللّه تعالى في أول السورة : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ( 1 ) ، و " الفرقان " من أسماء " القرآن " ، و " نزّل " بمعنى " أنزل منجما ، وعلى التراخي " و " العبد " هو " محمد صلى اللّه عليه وسلم " ، نبي اللّه الذي حقق صفة العبودية الكاملة للّه تعالى ، فاستحق أن يكون كاملا معصوما ، يوحى إليه هذا القرآن الكامل في إعجازه . كذلك تجاهل ويلش قول اللّه بعده : قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 6 ) ( الفرقان : 6 ) ، حيث أثبت أنه تعالى هو منزل القرآن الكريم على عبده محمد صلى اللّه عليه وسلم لا غيره ، وقد جهل الكاتب أيضا أن الكفار وصفوا القرآن بالتنزيل كذلك في السورة نفسها : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) ( الفرقان : 32 ) ، فهذا اعتراض ضمني منهم بأن القرآن منزل وأنهم سألوا فقط على سبيل التعنيت ، لما ذا لم ينزل القرآن جملة واحدة ، كما نزلت الكتب قبله جملة واحدة ، كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب الإلهية ، كما كانوا يسمعون من أهل الكتاب ؛ فردّ اللّه عليهم بأنه أنزله مفرقا ، في ثلاث وعشرين سنة ، بحسب الوقائع ، والحوادث ، ومتطلبات الدعوة ، والدولة الإسلامية ؛ وليثبت به قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقلوب المؤمنين ؛ وليثبت به أركان الدولة ، ويحدد به معالم الأمة الإسلامية . وقد جمع اللّه تعالى للقرآن الصفتين معا . ففي الملأ الأعلى أنزله جملة واحدة من اللوح المحفوظ ، إلى بيت العزة في السماء الدنيا ؛ ثم أنزله بعد ذلك إلى الأرض منجما « 1 » ؛ فتم بذلك للقرآن شرف النزول جملة واحدة ؛ ثم النزول مفرقا على قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ وليس يقل عن ذلك أهمية أن نذكر أن حياة

--> ( 1 ) ابن كثير ( 2 / 632 ) .