محمد محمد أبو ليلة

10

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 33 ) ( الفرقان : 32 - 33 ) ؛ ففي هاتين الآيتين سمى اللّه تعالى القرآن " حقا " وذكر معه التفسير ، بمعنى أن القرآن مفسّر لمعنى الحياة ؛ كما أن فيه إجابات على تساؤلات البشر على اتساعهم وتنوعهم وتجددهم وتعاقبهم جيلا بعد جيل ؛ وقد قلنا إن القرآن صالح لمخاطبة أهل البيئات المختلفة والعقليات المتنوعة ولجميع مستويات التمدن ، والتحضر في كل عصر وفي كل مصر . كذلك بيّن اللّه تعالى طريقة تلقّي محمد صلى اللّه عليه وسلم للقرآن ، وتكفّل اللّه سبحانه وتعالى بحفظه في صدر الرسول صلى اللّه عليه وسلم أولا وبتوقيفه على طريقة قراءته : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ ( 19 ) ( القيامة : 16 : 19 ) ؛ ويقول تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) ( الحجر : 9 ) ، ويقول تعالى : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ( 114 ) ( طه : 114 ) ، هذه الآيات الكريمة تعنى في عمومها أن اللّه تعالى يقول لمحمد صلى اللّه عليه وسلم نحن متكفلون بجمعه في صدرك بقدرتنا ، لا بفعل الذاكرة والمذاكرة من قبلك ، ونحن متكفلون كذلك بإقرائك القرآن كما هو عند اللّه تعالى ، وهذه القراءة ملزمة لك ، ولكل من يتلقى القرآن منك ، أو ممن حفظه من أمّتك وهكذا دواليك ؛ فإنه ينبغي عليه في تعلم القرآن وحفظه أن يأخذه تلقينا ؛ " ثمّ إنّ علينا " بعد تثبيت القرآن في الصدور فإن علينا تفسيره وبيانه لك ولقومك ، وكما حفظنا القرآن أثناء نزوله عليك حتى استقر في صدرك ، وحفظته الأمة عنك ، فإننا متكفّلون كذلك بحفظه إلى قيام الساعة . عن عبد اللّه بن عمر رضى اللّه عنهما قال : قال لنا علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : " إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمركم أن تقرءوا القرآن كما علمتم " . وعن عبد اللّه بن مسعود قال : " اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم " وقال زيد بن ثابت : " القراءة سنة فاقرءوا كما تجدونه " . « 1 » وتكلم القرآن عن طبيعته الإعجازية التي تفوق قدرات البشر البيانية والبلاغية ، فرادى كانوا أم مجتمعين ، إذ يقول تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 )

--> ( 1 ) ابن مجاهد . كتاب السبعة في القراءات . تحقيق الدكتور شوقى ضيف - القاهرة - دار المعارف ط 3 - 1988 م / ص 46 ، 50 - 51 .