خضير جعفر

86

الشيخ الطوسي مفسرا

وقد أثّر هذا الاتّجاه تأثيرا خاصّا في استحصال التحليل الذي لا يدع النصّ مخلقا أو مطويّا على نفسه دون الاستفادة بكلّ ما فيه من إيثار لفظة على أخرى أو حرف على آخر « 1 » ، ولعلّ أوّل من حفّز على انتهاج هذا السبيل هو ابن عباس حينما قال : « إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر ، فإنّ الشعر ديوان العرب « 2 » » . وصف مجمل للتبيان يقع التبيان في عشرة مجلّدات ضخمة تحتوي على ( 5312 ) صفحة ، وقد افتتح الشيخ الطوسي تفسيره بمقدّمة قصيرة أشار فيها إلى الأسباب التي دعته أن يكتب هذا التفسير ، حيث قال : إنّ الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب ، أنّي لم أجد أحدا من أصحابنا - قديما وحديثا - من عمل كتابا يحتوي على تفسير جميع القرآن ، ويشتمل على فنون معانيه ، وإنّما سلك جماعة منهم في جميع ما رواه ونقله وانتهى إليه في الكتب المرويّة في الحديث ، ولم يتعرّض أحد منهم لاستيفاء ذلك وتفسير ما يحتاج إليه ، فوجدت من شرع في تفسير القرآن من علماء الامّة ، بين مطيل في جميع معانيه ، واستيعاب ما قيل فيه من فنونه كالطبري وغيره ، وبين مقصّر اقتصر على ذكر غريبه ومعاني ألفاظه ، وسلك الباقون المتوسّطون في ذلك مسلك ما قويت فيه منتهم ، وتركوا ما لا معرفة لهم به ، فإنّ الزجّاج والفرّاء ومن أشبههما من النحويّين أفرغوا وسعهم في الإعراب والتصريف ، ومفضّل بن سلمة وغيره استكثروا من علم اللغة واشتقاق الألفاظ ، والمتكلّمين كأبي علي الجبائي وغيره صرفوا همّتهم إلى ما يتعلّق بالمعاني الكلاميّة ، ومنهم من أضاف إلى ذلك الكلام في فنون علمه ، فأدخل فيه ما لا يليق به من بسط فروع الفقه واختلاف الفقهاء كالبلخي وغيره ، وأصلح من سلك في ذلك مسلكا جميلا مقتصدا محمّد بن بحر أبو مسلم الأصفهاني وعلي بن عيسى الرمّاني ، فإنّ كتابيهما أصلح ما صنّف في هذا

--> ( 1 ) . السيّد خليل ، دراسات في القرآن ، ص 70 . ( 2 ) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ط 2 ، ج 1 ، ص 24 .