خضير جعفر
48
الشيخ الطوسي مفسرا
الطوسي مدينة النجف الأشرف ؛ لأن تكون مستقرّا له كان له مرجّحات عديدة منها : 1 . وجود نواة لحركة علميّة في تلك المدينة ، قد تسدّ فراغا بعد بغداد ، فيجد فيها الشيخ الطوسي بديلا عن مدرسته في دار السلام . 2 . وقوع النجف الأشرف على مقربة من الكوفة والتي هي موطن التشيّع ، حيث سيجد الشيخ الطوسي فيها قاعدة جماهيريّة تتجاوب مع أفكاره ومتبنّياته ووجهات نظره المذهبيّة ، وبالتالي سوف لن يواجه مشكلة أخرى كتلك التي عانى منها كثيرا في بغداد بسبب الخلافات المذهبيّة . 3 . الموقع الجغرافي لمدينة النجف الأشرف ، وبعدها عن مركز الأحداث المتفاقمة عن العاصمة بغداد يؤهّلها لأن تكون مكانا آمنا خاصة لأولئك الذين صاروا وقودا للفتنة ، وسلّطت عليهم الأضواء ، وأصبحوا تحت المراقبة . كلّ هذه الأمور حفّزت الشيخ الطوسي لأن يختار مدينة النجف الأشرف مكانا لاستقراره ، وفعلا فقد كان اختياره صائبا ، حيث استطاع أن يخلق من تلك المدينة مدرسة علميّة كبرى يؤمّها الناس من شتّى أنحاء الدنيا . وقد بقي الشيخ الطوسي في مدينة النجف الأشرف اثني عشر عاما منذ أن نزلها عام 448 ه وحتّى وفاته فيها سنة 460 ه ، ولا زال بيته موجودا فيها ، وقد تحوّل فيما بعد إلى مسجد يحمل اسم الشيخ الطوسي ، ويقع شمال ضريح الإمام علي عليه السّلام وعلى مقربة منه في الجهة اليسرى من شارع يحمل اسم الشيخ الطوسي أيضا . يعود تاريخ الحركة العلميّة في النجف الأشرف إلى نهاية القرن الثاني الهجريّ ، وبعد بناء مدينة بغداد على وجه التحديد ، حيث شيّد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور عاصمته الجديدة على نهر دجلة في النصف الثاني من القرن الهجريّ الثاني « 1 » واتّخذها عاصمة له ، فاستقطبت تلك المدينة الحديثة علماء الكوفة وفقهاءها ، ونزلوا بها ، وتبعهم بذلك جمع من طلبة العلوم ، ممّا أضعف مدرسة الكوفة ، وقد تزامن ذلك مع بدء الحركة العمرانيّة في النجف
--> ( 1 ) . النجاشي ، الرجال ، ص 31 .