غانم قدوري الحمد

386

الدراسات الصوتية عند علماء التجويد

والياء ، وقد تحدثنا قبل قليل عن الأساس الذي يلحقان بموجبه بحروف الإخفاء ، وإلى جانب صوت الباء ، ولعل ذكر الباء مع حروف الإخفاء يبدو أمرا غريبا ، لكن لا ينبغي أن نستوحش من ذلك ، لأنه من الناحية النطقية ينطبق عليه تعريف الإخفاء . وكان الفراء قد سماه إخفاء كما ذكرناه حين درسنا حكم القلب . فالنون الساكنة إذا وقعت قبل الباء في مثل ( من بعد ) لا تدغم في الباء لأنها لم تقرب منها قرب اللام والراء ، كما أنها لا تظهر لأن الباء لم تبعد من النون بعد حروف الحلق . ومن ثم كانت النون في مرتبة متوسطة بين الإظهار والإدغام ، فانتقل معتمد النون في الفم إلى معتمد الصوت الآتي بعدها وهو الباء ، ولكن الصوت الناتج حينئذ من انتقال معتمد النون إلى الشفتين مع إبقاء صوت الغنة هو مثل صوت الميم ، وما حدث في هذه الحالة ، هو عين ما حدث في مثل ( من ماء ) حين آلت النون إلى صوت الميم ، لكن الصوت الآتي بعد النون في ( من ماء ) صوت أنفي أغن بينما الصوت الآتي بعد النون في مثل ( من بعد ) صوت ليس فيه غنة . إننا حين نقول إن النون قلبت ميما في مثل ( من بعد ) يجب أن نقول من الناحية النطقية أن النون قلبت ميما بالطريقة نفسها في مثل ( من ماء ) ، ولكن الميم الناتجة من انتقال مخرج النون إلى الشفتين صادفت في الحالة الأولى صوتا ليس فيه غنة فتوقف تأثر النون عند حد صيرورتها ميما ، وصادف في الحالة الثانية صوتا أنفيا ينتج بنفس الطريقة فتبع قلب النون ميما إدغامها في الميم . إن ما حصل للنون الساكنة قبل الميم والباء يشبه من الناحية النطقية ما حصل للنون قبل القاف والكاف وما سواهما من حروف الإخفاء الخمسة عشر التي يذكرها علماء التجويد ، وما يحصل للنون قبل الياء الواو أيضا ، فإذا قلنا ( من قال ) أو ( من كان ) فإن معتمد النون بدلا من أن يتقدم نحو الشفتين كما في مثل ( من بعد ) و ( من ماء ) يتراجع نحو أقصى اللسان ، ويظل النفس جاريا من الأنف ، وهو ما نسميه بالغنة . والفرق بين النون المخفاة في ( من قال ) وبين النون المخفاة في ( من بعد ) ليس صوتيا بالدرجة الأساس ، وذلك لأن تعريف الإخفاء ينطبق على الحالتين فهما متفقتان نطقيّا أو عضويا ، من حيث انتقال معتمد النون في الفم مع بقاء الغنة من الأنف . وإنما الفرق بينهما أن الصوت الناتج من انتقال معتمد النون إلى مخرج الصوت الآتي بعدها في ( من بعد ) يعد حرفا مستقلا في اللغة العربية ، بينما الصوت الناتج من انتقال معتمد النون إلى مخرج الصوت الآتي بعدها في ( من قال ) ليس حرفا أو وحدة صوتية مستقلة إنما هو تنوع موقعي لصوت النون .