غانم قدوري الحمد
384
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد
من غير أن تتناقض مع مذاهب غيره من العلماء ، كما يتضح من العرض السابق لآرائهم . وهذه محاولة لإعادة النظر في مذاهب علماء التجويد في حصر أحكام النون الساكنة من حيث التقسيم لا من حيث المادة ، ثم محاولة اختيار المذهب الأكثر انسجاما مع حقائق الدرس الصوتي . وهذه المحاولة تعتمد على فهم معين لنطق صوت النون ، هذا الفهم يقوم على أساس أن نطق النون يتميز بكون طرف اللسان يعتمد على اللثة فينسد مجرى النفس عبر الفم ، فيتحول إلى الخيشوم ، فتحصل الغنة التي هي جوهر صوت النون مع ما يصاحب ذلك من دوي يحصل في الفم . وحين تتجاور النون ساكنة مع بقية الحروف فإنها تتأثر بها ، ولذلك التأثر درجتان : تأثر كامل وناقص ، فإذا انحصر التأثر بزوال معتمد طرف اللسان على اللثة وانتقل صوب مخرج الصوت الآتي بعد النون مع بقاء جريان النفس من الألف ، وهو صوت الغنة ، فالتأثر حينئذ ناقص . وإذا امتد التأثر إلى وقف جريان النفس من الأنف ، وهو يعني زوال الغنة ، إلى جانب زوال معتمد اللسان من موضع النون فإن التأثر حينئذ كامل ، فينقلب صوت النون إلى جنس الصوت الآتي بعده ويدغم فيه إدغاما محضا . وهذا كله مقرر في كلام علماء التجويد ، مؤيد بنتائج الدرس الصوتي الحديث ، ولكن الأمر الذي تباينت فيه كلمة علماء التجويد هو في استخدام المصطلحات وفي نسبة الأصوات إلى كل حالة من أحوال النون الساكنة ، على نحو ما ذكرنا في أول الكلام عن هذا الموضوع . وتتلخص هذه المحاولة في تقسيم أحكام النون الساكنة والتنوين إلى ثلاثة أحكام ، وهي : الإظهار والإخفاء والإدغام . فإذا حافظت النون على معتمدها في الفم مع بقاء الغنة من الأنف كان إظهارا ، وإذا زال معتمدها في الفم مع بقاء الغنة من الأنف كان إخفاء وإذا زال معتمدها مع زوال الغنة كان إدغاما . وهذه نظرة ذهب إليها بعض علماء التجويد ، وقد نسبها زكريا الأنصاري إلى الجعبري « 1 » . وقال علي القاري : « وقد قال بعض المحققين في أحكام النون الساكنة والتنوين : التحقيق أنها ثلاثة : إظهار ، وإدغام محض وغيره وسبق بيانه ، وإخفاء مع قلب ودونه » « 2 » . وما نذهب إليه يختلف جزئيا مع ما ذهب إليه الجعبري ونقله علي القاري ، وذلك في
--> ( 1 ) تحفة نجباء العصر ص 2 . ( 2 ) المنح الفكرية ص 44 - 45 .