غانم قدوري الحمد
21
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد
بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي ( ت 324 ه ) ، الذي حققه الدكتور شوقي ضيف ، ولا نجد في هذا الكتاب أبوابا مستقلة تعالج موضوع الأصوات العربية ، وإنما جاءت الملاحظات الصوتية متناثرة في ثناياه . وقد قام علماء التجويد باستخلاص المادة الصوتية من مؤلفات النحويين واللغويين وعلماء القراءة ، وصاغوا منها هذا العلم الجديد الذي اختاروا له اسم ( علم التجويد ) ، وواصلوا أبحاثهم الصوتية مستندين إلى تلك المادة ، وأضافوا إليها خلاصة جهدهم حتى بلغ علم التجويد منزلة عالية من التقدم في دراسة الأصوات اللغوية . وبالرغم من استناد علماء التجويد على جهود سابقيهم من علماء العربية وعلماء القراءة فقد جاء عملهم متميزا ، ولا يمكن أن نعده جزءا من تلك الجهود ، وإنما جاء عملا شاملا للدرس الصوتي ، أما علماء العربية فإنهم عالجوا الموضوع في إطار الدرس الصرفي وهو أمر تجاوزه علماء التجويد وذلك بالنظر إلى أصوات اللغة نظرة أشمل من ذلك . أما علماء القراءة فإنهم كانوا مشغولين برواية النص القرآني الكريم وضبط حروفه كما نقلتها طبقات علماء القراءة طبقة عن طبقة حتى تنتهي إلى طبقة الصحابة رضوان اللّه عليهم ، الذين تلقوا القرآن من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ولا يمكن أن تعدّ الكتب التي ألفها القراء في وصف القراءات القرآنية بدءا للتأليف في علم التجويد ، لأن علم القراءة وعلم التجويد ، وإن كان كل منهما يرتبط بألفاظ القرآن ، يختلفان في الموضوع كما يختلفان في المنهج ، أما الموضوع فإن علم التجويد لا يعنى باختلاف الرواة بقدر عنايته بتحقيق اللفظ وتجويده ، مما لا اختلاف في أكثره بين القراء ، وأما المنهج فإن كتب القراءات كتب رواية ، وكتب التجويد كتب دراية ، تعتمد على مقدرة العالم في ملاحظة أصوات اللغة وتحليلها ووصفها . ويتضح ذلك من عدة نصوص وردت في كتاب ( الرعاية ) لمكي ، منها قوله في مقدمة الكتاب : « ولست أذكر في هذا الكتاب إلا ما لا اختلاف فيه بين أكثر القراء ، فيجب على كل من قرأ بأيّ حرف كان من السبعة أن يأخذ نفسه بتحقيق اللفظ وتجويده ، وإعطائه حقه على ما نذكره مع كل حرف من هذا الكتاب » « 1 » . ومنها قوله وهو يتحدث عن أحكام تجويد الهمزة : « وقد تقدم ذكر أصول القراء واختلافهم في الهمز وتليينه وحذفه وبدله وتحقيقه وغير ذلك من
--> ( 1 ) الرعاية ص 42 .