محيى الدين محمد بن سليمان الكافيجى

75

التيسير في قواعد علم التفسير

قال جنيد « 1 » : من فضيلة العلم على المال أن اللّه أفهم سليمان مسألة فمنّ عليه وقال : فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ « 2 » ، وأعطاه الملك ولم يمنّ عليه بل قال : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ « 3 » . وأما المعقول فلأن العلم مطلوب ، وكل مطلوب فله شرف وفضيلة . أما الأول : فلكون العلم شيئا نفيسا ومرغوبا فيه ومقبولا في العقول كلها . وأما الثاني : فلأن كل مطلوب - سواء كان مطلوبا لذاته أو لغيره أو لهما - فله شرف وفضيلة ، غاية ما في الباب أن المطلوب لذاته له زيادة شرف وفضل على المطلوب لغيره ، أما المطلوب لذاته فنحو المعرفة باللّه والنظر إلى وجهه الكريم ، وأما المطلوب لغيره فنحو الدراهم والدنانير فإنهما حجران لا منفعة فيهما ولولا أن اللّه يسّر قضاء الحاجات بهما لكانا والحصا بمثابة واحدة . أما المطلوب لذاته ولغيره فنحو سلامة البدن فإن سلامة البدن أو الرجل مثلا مطلوبة من حيث إنها سلامة عن الآلام ، ومطلوبة للمشي والتوصل إلى المآرب والحاجات . وبهذا الاعتبار إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذا في نفسه ، فيكون مطلوبا لذاته ، ووجدته وسيلة إلى الدار الآخرة وسعادتها ، وذريعة إلى القرب من اللّه عزّ وجلّ ، ولا يتوصل إليه إلّا به ، وأعظم الأشياء رتبة في حق الآدمي السعادة الأبدية ، وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها ، ولن يتوصل إلى ذلك إلا بالعمل

--> ( 1 ) هو الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي البغدادي ، القواريري ، شيخ الصوفية ( سير أعلام النبلاء 14 / 66 ، طبقات الصوفية 155 ، حلية الأولياء 10 / 255 ، تاريخ بغداد 7 / 241 ، طبقات الحنابلة 1 / 127 ) . ( 2 ) سورة الأنبياء : 79 . ( 3 ) سورة ص : 39 .