محيى الدين محمد بن سليمان الكافيجى

54

التيسير في قواعد علم التفسير

وهكذا الأمر في قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وفي قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 1 » ، وفي قوله تعالى : وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ « 2 » ، وفي نحو قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا « 3 » ، ونحو ذلك من الآيات ؛ ألا ترى أن قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا « 4 » كيف قدر التوحيد في صورة القياس الاستثنائي مصرحا بالشرطية مشيرا إلى الاستثنائية ، وأن قوله تعالى حكاية : فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ « 5 » كيف أشار إلى نفى الربوبية عن القمر إشارة لطيفة كأنه قيل : القمر آفل وربّى ليس بآفل ، فالقمر ليس بربى . قال بعض أهل التفسير : ما من برهان وتقسيم وتحديد ينبئ عن كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا والقرآن قد نطق به لكن أورده اللّه تعالى على عادة العرب دون دقائق الحكماء والمتكلمين لأمرين : أحدهما : بسبب ما قاله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ « 6 » . والثاني : أن السالك إلى دقائق الحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجلىّ من الكلام ؛ فإنّ من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهم الأكثرين لم ينحط إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلا الأقلون إذا كان غرضه بيان الحق وإظهار الصواب ؛ فاللّه تعالى أخرج مخاطباته في محاجّة خلقه في أجلى صورة تشتمل على أدق دقيق ليفهم العامة من جليّها ما ينفعهم وتلزمهم الحجة ، ويفهم

--> ( 1 ) سورة النساء : 87 . ( 2 ) سورة المائدة : 45 . ( 3 ) سورة الكهف : 107 ، 108 . ( 4 ) سورة الأنبياء : 22 . ( 5 ) سورة الأنعام : 76 . ( 6 ) سورة إبراهيم : 3 .