محيى الدين محمد بن سليمان الكافيجى
36
التيسير في قواعد علم التفسير
ثم إن التواتر شرط في نقل القرآن إلينا ، وهو متعلق بنظم القرآن فلا يضره تحقق إجمال أو إبهام فيه من جهة معناه . فإن قلت : ما السرّ في وجوب نقل القرآن إلينا على سبيل التواتر بخلاف نقل الحديث مع أن كليهما وحى ، قال اللّه تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى « 1 » غاية ما في الباب أن القرآن وحى متلو والحديث وحى غير متلو ؟ قلت : أولا : السرّ فيه أن نظم القرآن معجز باق على وجه كل زمان دائر على كل لسان في كل مكان ، فاقتضى ذلك أن يختص نقله إلينا بطريق التواتر حسما لمادة شبهة الوهم والارتياب ، قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا « 2 » ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 3 » ولتكون معجزة النبي صلى اللّه عليه وسلم تبقى على وجه العيان يشار إليها بالبنان ، وليكون برهانا على حقية خير الأديان ، وتبيانا لبقاء هذه الأمة المشرّفة إلى آخر الزمان ، بخلاف متن الحديث فإنه ليس كذلك ، قال اللّه تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 4 » . وثانيا : أن نظم القرآن نصب عين الجنان وورد اللسان في كل زمان ؛ فيكون العناية به أتم ، والاهتمام به أهم . وثالثا : أن النقل بالمعنى لا يجوز فيه ؛ محافظة على إبقاء إعجاز نظمه
--> ( 1 ) سورة النجم : 3 ، 4 . ( 2 ) سورة البقرة : 104 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في صفة القيامة والرقائق والورع 2518 ، النسائي في الأشربة 5711 ، أبو داود في اللباس 4080 ، أحمد في المسند 27819 ، الدارمي في البيوع 2532 . ( 4 ) سورة الحجر : 9 .