العلامة المجلسي

90

بحار الأنوار

يدفن مع صاحبيه ، ( 1 ) . . فسلم واستأذن ثم دخل عليها فوجدها قاعدة تبكي ، فقال ( 2 ) : يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام ويستأذن ان يدفن مع صاحبيه ، ( 3 ) فقالت : كنت أريده لنفسي ولا تؤثرن به اليوم على نفسي ، فلما أقبل قيل هذا عبد الله ابن عمر قد جاء ، قال ( 4 ) : ارفعوني ، فأسنده رجل إليه ، فقال : ما لديك ؟ . فقال : الذي تحب يا أمير المؤمنين ، أذنت . قال : الحمد لله ، ما كان شئ ( 5 ) أهم إلي من ذلك . قال : فإذا أنا قضبت فاحملوني ، ثم سلم فقل ( 6 ) يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فأدخلوني وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين . . ( 7 ) . فهذا دليل واضح على جهله أو تسويله وتمويهه على العوام ، لما قد عرفت من أنه إن كان صدقة يشترك فيه المستحقون - كما يدل عليه الخبر الذي افتراه أبو بكر - فتحريم التصرف فيه ( 8 ) بالدفن ونحوه واضح ، وإن كان ميراثا فالتصرف فيه قبل القسمة من دون استيذان جميع الورثة أيضا محرم ، ولا ينفع طلب الاذن من عائشة وحدها ( 9 ) .

--> ( 1 ) في المصدر زيادة : قال . ( 2 ) في ( ك ) : وقال . ( 3 ) زيادة : قال ، قبل : فقالت ، جاءت في صحيح البخاري . ( 4 ) في المصدر : فقال : قال . ( 5 ) في المصدر : من شئ ، ومثله في جامع الأصول . ( 6 ) في صحيح البخاري : وقل . ( 7 ) قريب منه في صحيح البخاري 2 / 128 كتاب الجنائز باب ما جاء في قبر النبي ( ص ) وأبي بكر وعمر ، حديث 5 . وأورده ابن سعد في الطبقات 3 / 338 ، وابن الأثير في الكامل 3 / 27 ، وكذا في جامع الأصول 4 / 120 خلال حديث 2085 ، وابن حجر في فتح الباري 7 / 56 - 57 . ( 8 ) وضع في المطبوع من البحار على : فيه ، رمز نسخة بدل . ( 9 ) والذي نظنه - وظن الألمعي الصواب - أن من أعظم المطاعن على الخليفة الثاني وأفجع مثالبه - مع كثرتها وقل ما وصل منها إلينا - عدا ظلمه لآل الله وغصبه لحق ولي الله وتغييره لسنة رسول الله ( ص ) واستخفافه بأحكام الله ، وبدعه وجهله وتلونه ونفاقه . . وكل ما سردناه لك نهيه عن الحديث ، نقلا وكتابة ، فهو تارة ينهى عن نقل الحديث عن رسول الله ( ص ) ، وأخرى عن الاكثار به ، وثالثة عن تفسيره ، ورابعة عن تأويله . . وهكذا بعد أن عرف عنه نهى عن مشكل القرآن وعن السؤال عما لم يقع . وقد وجدنا نماذج فلتت من أقلام أعلامهم وبرزت ، وروايات خفيت عن نقادهم بل كلمات صدرت من الصحابة في غفلة من درة عمر وسيف البغي . وفي هذا المقام فقد جاء عن عروة أنه قال : إن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله ( ص ) في ذلك ، فأشاروا عليه أن يكتبها ! فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله له ، فقال : إني كنت أريد أن أكتب السنن وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبوا عليه وتركوا كتاب الله . . ! ! . كما أوردها الدارمي في سننه 1 / 125 ، والحاكم في مستدركه 1 / 104 - 106 ، وجاء في مختصر جامع العلم : 36 و 37 وغيرهم . وها هو الطبري يحكي عن عمر قوله - كما في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 120 - أربع مجلدات - : جردوا القرآن ولا تفسروه ! ، وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم . وقد قال ابن كثير في تاريخه : 8 / 107 : هذا معروف عن عمر ، وان عمر حبس ثلاثة : ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري حتى مات عمر . وقاله غير واحدكما في مجمع الزوائد 1 / 149 ، وتذكرة الحفاظ 1 / 7 . وجاء في مستدرك الحاكم 1 / 110 : إن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذر : ما هذا الحديث عن رسول الله ( ص ) ، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب وقد سبقه الأول - كما جاء في كنز العمال 5 / 237 ، وتذكرة الحفاظ 1 / 5 ، والبداية والنهاية غيرها - عن عائشة ، قالت : جمع أبي الحديث عن رسول الله فكانت خمسمائة حديث ! فبات يتقلب ، فقلت : يتقلب لشكوى أو لشئ بلغه ؟ ، فلما أصبح قال : أي بنية ! هلمي بالأحاديث التي عندك ، فجئته بها فأحرقها . وسار الثاني على منهاج الأول ، فها هو ابن سعد في الطبقات الكبرى 5 / 188 ، والخطيب البغدادي في تقيد العلم وغيرهما قالا : إن عمر خطب في خلافته فقال : لا يبقين أحد عنده كتابا إلا أتاني به فأرى فيه رأيي ، فظنوا أنه يريد النظر فيها ليقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار ! ، بل هو بعث في الأمصار يأمرهم : من كان عنده شئ فليمحه ، كما جاء في جامع بيان العلم لابن عبد البر . وعلى كل ، فإن السلطة الحاكمة والسياسة الوقتية السائدة اقتضت مصالحها محو السنة وحرقها ، وعدم التحدث بها ، ومعاقبة من يقول بها وينشرها ، بل وحتى من يعمل بها ، وإحياء البدع ونشرها ، وإعطائها صبغة شرعية ، ولذا كان الاجتهاد بالرأي والقياس والاستحسان مسألة طبيعية في الأحقاب اللاحقة نتيجة فقد النص ، ولذا تشبثوا بالاقتداء بسنة أبي بكر ومن لحق به وشايعه كمعاوية ونغله ومروان بن الحكم وعبد الملك وولده الوليد وسليمان . وهكذا دواليك إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فطلب من أبي بكر الحزمي أن يكتب له ما كان من حديث رسول الله أو سنته أو حديث عمر بن الخطاب ! كما صرح بذلك مالك في الموطأ 1 / 5 وغيره . ولا حول ولا قوة إلا بالله . أقول : هذه نماذج يسيرة جدا عما هناك ، ولم نستقص وما كان من قصدنا الاستقصاء حول الدور البشع الذي واجه الخليفة به حديث الرسول ( ص ) قصد بها أغراض سياسية وقتية للسد على الأمة أبواب المعرفة وحبسها في براثن الجاهلية وحرمانها من ينبوع الوحي ، وإلقائها في معترك الأهواء ، وإبعادها من نمير صاحب الرسالة وأهل بيته سلام الله عليهم أجمعين وفضائلهم . وهذه سيرة سار عليها قضت على معالم الدين وضربت صميم الاسلام و . . مع أنا نعلم : أن الكتاب أحوج إلى السنة إلى الكتاب - جامع بيان العلم 2 / 191 - وإن متشابهات القرآن لا ترفع إلا بالسنة ، وهما لا يتفارقان حتى يردا على النبي الحوض . . . فحق لنا أن نعد - بعد كل هذا - أن هذا أهم مطاعن الرجل وأعظم مساوئه . وقولته لأبي هريرة وكعب الأحبار وغيرهما معروفة ، أورد جملة منها في كنز العمال 5 / 239 ، وتاريخ ابن كثير 8 / 106 وغيرهما . وجاء في شرح النهج لابن أبي الحديد 1 / 174 : قيل لابن عباس لما أظهر قوله في العول بعد موت عمر - ولم يكن قبل يظهره - : هلا قلت هذا وعمر حي ؟ ! . قال : هبته . وعن ابن عباس ، قال : مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن . . كما جاء في كتاب العلم لابن عمرو : 56 . وعن أبي هريرة ، قال : لقد حدثتكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة ، كما جاء في بيان العلم 2 / 112 . وعنه أيضا قال : ما كنا نستطيع أن نقول : قال رسول الله ( ص ) حتى قبض عمر ! . تاريخ ابن كثير 8 / 107 . وبعد كل هذا ، فها هو عمر يصرح على المنبر : أحرج بالله على رجل يسأل عما لم يكن ، فإن الله قد بين ما هو كائن . سنن الدارمي 1 / 50 ، جامع بيان العلم 2 / 141 . ومن الشواهد المؤلمة قصة صبيغ - فقد رويت عن جمع من الصحابة وبألفاظ مختلفة - أن رجلا يقال له : صبيغ ، قدم المدينة ، فجعل يسأل عن متشابه القرآن ، فأرسل إليه عمر - وقد أعد له عراجين النخل - فقاله له : من أنت ؟ . قال : أنا عبد الله صبيغ ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه ! ، وقال : أنا عبد الله عمر ، فجعل له ضربا حتى دمي رأسه ، فقال : يا أمير المؤمنين ! حسبك ، قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي ! . وعن السائب : فلم يزل وضيعا في قومه حتى هلك وكان سيد قومه ! . انظر : سنن الدارمي : 1 / 54 و 55 ، وتاريخ ابن عساكر 6 / 384 ، وتفسير ابن كثير 4 / 232 ، والاتقان للسيوطي 2 / 5 ، وكنز العمال 1 / 228 ، 229 ، وفتح الباري 8 / 17 ، وسيرة عمر لابن الجوزي : 109 ، وإحياء العلوم 1 / 30 وغيرها . وبعد نهيه عن القرآن تفسيرا ، والحديث رواية ، والسنة تدوينا ، منع عن الكتب والمؤلفات قراءة أو حفظا ، ونسخا وتدوينا . وقد جاء بطرق مختلفة ومضامين متظافرة جملة من الروايات سلف بعضها ، منها أنه عاقب من حفظها بل من أخبر بوجودها ، وقد أصابوا عند فتح المدائن كتبا فيها علم من علوم الفرس . . وقد عاقب آخر وضربه حتى قال : دعني ، فوالله لا أدع عندي شيئا من تلك الكتب إلا أحرقته ، فتركه ! . وقد أمر عمرو بن العاص بإحراق كتب مدينة الإسكندرية ، وتلك قصة مشهورة نقلها أكثر من واحد من المؤرخين كما في تاريخ مختصر الدول للملطي - المتوفى سنة 684 ه‍ - صفحة : 180 ، وتاريخ التمدن الاسلامي لجرجي زيدان 3 / 40 و 42 وغيرهما ، وقد ناقشها بعض المتأخرين منا بما لا حاصل فيه ، ولم نعقد حواشينا لتفصيلها ، وقد أسندها وفصل البحث فيها شيخنا الأميني في غديره 6 / 297 - 302 ، فراجع . ثم بعد هذا فقد حرم خليفتهم كل بحث وتحقيق - كما ذكره حجة إسلامهم الغزالي - يقول في إحياء العلوم : 1 / 30 : و [ عمر ] هو الذي سد باب الكلام والجدل ، وضرب صبيغا بالدرة لما أورد عليه سؤالا في تعارض آيتين في كتاب الله ، وهجره ، وأمر الناس بهجره ! ! . فهل يبقى - والحال هذه - مبدأ لأصول التعليم والتعلم ؟ ومن هنا قد حرمت الأمة الكثير الكثير ونزلت الحضيض ببركة تلك الدرة وصاحبها .