عبد القادر محمد صالح
24
التفسير و المفسرون في العصر الحديث
خاصة لقول عمر : نزل القرآن بلغة مضر ، وعين بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر السبع من مضر أنهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب ، وأسد بن خزيمة ، وقريش ، فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات ، ونقل أبو شامة عن بعض الشيوخ أنه قال : أنزل القرآن أولا بلسان قريش ومن جاورهم من العرب الفصحاء ، ثم أبيح للعرب أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب ، ولم يكلّف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة ، ولما كان فيهم من الحمية ، ولطلب تسهيل فهم المراد ، كل ذلك مع اتفاق المعنى . وعلى هذا يتنزّل اختلافهم في القراءة كما تقدم ، وتصويب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كلا منهم . قلت : وتتمة ذلك أن يقال : إنّ الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي ، أي أن كل أحد يغير الكلمة بمرادفها في لغته ، بل المراعى في ذلك السماع من النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ويشير إلى ذلك قول كلّ من عمر وهشام رضى اللّه عنهما في حديث الباب « 1 » . وقد قال ابن عبد البر موضحا المقولة التي تقول : ليس المراد بالأحرف السبعة أن كل لفظة منه تقرأ على سبعة أوجه . قال ابن عبد البر : « هذا مجمع عليه ، بل هو غير ممكن ، بل لا يوجد في القرآن كلمة تقرأ على سبعة أوجه إلا الشيء القليل مثل : « عبد الطاغوت » « 2 » . وهناك بعض النقول التي تشير أن القرآن نزل بلغة قريش ، ثم سهل على الأمة أن تقرأه بغير لسان قريش « وذلك بعد أن كثر دخول العرب في الإسلام ، فقد ثبت أنّ ورود التخفيف بذلك كان بعد الهجرة وفقا لحديث أبيّ بن كعب الذي أخرجه مسلم ، قال أبيّ : « كنت في المسجد فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه ، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه ، فلما قضينا الصلاة ، دخلنا جميعا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقلت : إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه ، فأمرهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقرءا ، فحسّن النبي صلى اللّه عليه وسلّم شأنهما قال : فسقط في نفسي من التكذيب ، ولا إذ كنت في الجاهلية ، فلما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى اللّه فرقا ، فقال لي : « يا أبيّ ، أرسل إليّ أن اقرإ القرآن على حرف ، فرددت إليه أن هوّن على أمتي » ، وفي رواية له : « إن أمتي لا تطيق ذلك » ، ولأبي داود من وجه آخر عن أبيّ : « فقال لي الملك الذي معي : قل على حرفين ، حتى بلغت سبعة أحرف » « 3 » .
--> ( 1 ) سقنا الحديث برقم ( 4992 ) ، وكلام ابن حجر مأخوذ من الفتح ، ( 9 / 35 ) . ( 2 ) ابن حجر ، الفتح ( 9 / 36 ) . ( 3 ) انظر الفتح ، ( 9 / 31 ) ، وأخرجه مسلم في ( الحديث : 1901 ) ، وأخرجه أبو داود في ( الحديث : 1478 ) مختصرا .