محمد حسين الذهبي
608
التفسير والمفسرون
حجرا ) يعنى أقمت عليه الحجة فلم يحر جوابا ، ثم يستشعر الشيخ بعد ذلك أن في القرآن آيات كثيرة تصادم هذا الفهم ، كقوله تعالى في الآيات ( 6 - 10 ) من سورة الصافات « إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ . دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ . إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ » وكقوله في الآيتين ( 8 و 9 ) من سورة الجن « وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً . وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً » يستشعر الشيخ مصادمة هذه الآيات لرأيه فيقول ما معناه : ( وهناك آيات أخرى في هذا المقام ، تبدوا مخالفة لهذا المعنى ، ولكن يمكن حملها عليه ، وليس في الوقت متسع لذلك ، وسنعرض لها في موضع غير هذا ) . ولست أدرى كيف كان يستطيع الشيخ - رحمه اللّه - أن يحمل كل الآيات الواردة في هذا الموضوع على المعنى الذي قاله حملا صحيحا ، وهي كما ترى صريحة في أن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء ويسترقون السمع ، ثم منعوا من ذلك عند رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فمن حاول منهم استراق السمع - كما كانوا يفعلون من قبل - رمى بشهاب من السماء فحال بينه وبين ما يريد . وخاتمة المطاف في هذه الدروس التي ألقاها الأستاذ الأكبر في التفسير : أنه كان منها - كما قيل - أمران عظيمان لهما خطر هما في الحياة الدينية : كانت عاملا قويا في توجيه المسلمين ونشئهم الطيب الطاهر إلى الجانب الديني ، ولفت أنظارهم إلى ما في كتاب اللّه من تشريع حكيم ، وأدب جم كريم ، وإرشاد قيم مفيد ، فحببت إليهم الدين ، وزينته في قلوبهم ، وهرعوا إليه يتعرفون حكمه ، وأحكامه ويتلمسون بها حياة طيبة ونهضة قوية ، أساسها الدين والخلق الكريم ، وكانت هذه الدروس أيضا : منار هدى وإرشاد ، يلقى أشعته الوضاءة على عقول المشتغلين بتفسير القرآن ، فيضيء لهم الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه في فهم كتاب اللّه ، واستخلاص آدابه وأحكامه ، خالصة مما جاورها من