محمد حسين الذهبي
573
التفسير والمفسرون
لروابط الألفة » المحرقون لها بما يلقون عليها من ضرام نمائهم ، وإنما جاءت العبارة كما في الآية ؛ لأن اللّه جل شأنه أراد أن يشبههم بأولئك السحرة المشعوذين ، الذين إذا أرادوا أن يحلوا عقدة المحبة بين المرء وزوجته - مثلا - فيما يوهمون به العامة ، عقدوا عقدة ثم نفثوا فيها وحلوها ، ليكون ذلك حلا للعقد التي بين الزوجين . والنميمة تشبه أن تكون ضربا من السحر ؛ لأنها تحول ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة ، بوسيلة خفية كاذبة ، والنميمة تضلل وجدان الصديقين ، كما يضلل الليل من يسير فيه بظلمته ؛ ولهذا ذكرها عقب ذكر الغاسق . . . « 1 » ) . إنكاره لبعض الأحاديث الصحيحة : ثم راح الشيخ - رحمه اللّه - يرد ما جاء من الروايات في سحر الرسول صلى اللّه عليه وسلم فقال : ( وقد رووا هنا أحاديث في أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سحره لبيد ابن الأعصم ، وأثر سحره فيه ، حتى كان يخيل له أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله ، أو يأتي شيئا وهو لا يأتيه ، وأن اللّه أنبأه بذلك ، وأخرجت مواد السحر من بئر ، وعوفي صلى اللّه عليه وسلم مما كان نزل به من ذلك ، ونزلت هذه السورة ، ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه عليه السلام حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه يفعل شيئا وهو لا يفعله ، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان ، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية ، بل هو ماس بالعقل ، آخذ بالروح ، وهو مما يصدق قول المشركين فيه « إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً « 2 » » وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله ، وخيل له أن شيئا يقع وهو لا يقع ، فيخيل إليه أنه يوحى إليه ، ولا يوحى إليه ، وقد قال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها : إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به ، وعدم التصديق
--> ( 1 ) تفسير جزء عم ص 181 . ( 2 ) الآية ( 8 ) من سورة الفرقان .