محمد حسين الذهبي
570
التفسير والمفسرون
قوامه بروح إلهي سمى في لسان الشرع ملكا ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسم هذه المعاني القوى الطبيعية ، إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة ، أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة . والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه ، هو أن في باطن الخلقة أمرا هو مناطها ، وبه قوامها ونظامها ، لا يمكن العاقل أن ينكره ، وان أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكا ، وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة ، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسا طبيعيا ، لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع ، فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات ، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودا لا يدرك كنهه ، والذي لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح ، ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها . ولا يعلم إلا اللّه علام يختلف الناس ، وكل يقر بوجود شئ غير ما يرى ويحس ، ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم ، ولا يصل بعقله إلى إدراك كنهه ؟ وما ذا على هذا الذي يزعم أنه لا يؤمن بالغيب - وقد اعترف بما غيب عنه - لو قال : أصدق بغيب أعرف أثره ، وإن كنت لا أقدر قدره فيتفق مع المؤمنين بالغهب ، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحي . ويحظى بما يحظى به المؤمنون ؟ ) . ( يشعر كل من فكر في نفسه ، ووازن بين خواطره عندما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير . ووجه للباطل أو للشر ، بأن في نفسه تنازعا كأن الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى . فهذا يورد وذاك يدفع ، واحد يقول افعل ، وآخر يقول لا تفعل ، حتى ينتصر أحد الطرفين ، ويترجح أحد الخاطرين فهذا الشيء الذي أودع في أنفسنا ونسميه قوة وفكرا ، وهي في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه ، وروح لا تكتنه حقيقتها ، لا يبعد أن يسميه اللّه ملكا ، أو يسمى أسبابه ملائكة ، أو ما شاء من الأسماء ، فإن التسمية لا حجر فيها على الناس ، فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة ، والسلطان النافذ والعلم الواسع « 1 » ) .
--> ( 1 ) تفسير المنار ج 1 ص 267 - 168 .