محمد حسين الذهبي

563

التفسير والمفسرون

معالجته للمسائل الاجتماعية : ثم إنا نجد الأستاذ الإمام لا يكاد يمر بآية من القرآن ، يمكنه أن يأخذ منها علاجا للأمراض الاجتماعية ، إلا أفاض في ذلك بما يصور للقارئ خطر العلة الاجتماعية التي يتكلم عنها ، ويرشده إلى وسيلة علاجها والتخلص منها ، كل هذا يأخذه الأستاذ الإمام من القرآن الكريم ، ثم يلقى به على أسماع المسلمين وغير المسلمين ؛ رجاء أن يعودوا إلى الصواب ، ويثوبوا إلى الرشاد . فمثلا عندما تعرض لقوله تعالى في الآية ( 3 ) من سورة العصر من التفسير المطول لها « وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » نجده يقول : ( . . . والصبر ملكة في النفس يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله ، والرضى بما يكره في سبيل الحق . وهو خلق يتعلق به بل يتوقف عليه كمال كل خلق ، وما أتى الناس من شئ مثل ما أتوا من فقد البصر أو ضعفه . كل أمة ضعف الصبر في نفوس أفرادها ، ضعف فيها كل شئ ، وذهبت منها كل قوة ، ولنضرب لذلك مثلا : نقص العلم عند أمة من الأمم كالمسلمين اليوم ، إذا دققت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر ؛ فإن من عرف بابا من أبواب العلم ، لا يجد في نفسه صبرا على التوسع فيه ، والتعب في تحقيق مسائله ، وينام على فراش من التقليد هين لين ، لا يكلفه مشقة ، ولا يجشمه تعبا ، ويسلى نفسه عن كسله بتعظيم من سبقه ، ولو كان عنده احترام حقيقي لسلفه ، لاتخذهم أسوة له في عمله ، فحذا حذوهم ، وسلك مسلكهم ، وكلف نفسه بعض ما حملوا أنفسهم عليه ، واعتقد كما كانوا يعتقدون أنهم ليسوا بمعصومين ) . ( ثم هو إذا تعلم لا يجد صبرا على مشقة دعوة الناس إلى علم ما يعلم ، وحملهم على عرفان ما يعرف ، ولا جلدا على تحصيل الوسائل لنشر ما عنده ، بل متى لاقى أول معارضة قبع في بيته وترك الخلق للخالق كما يقولون ) . ( يجلس الطالب لدرسه سنة أو سنتين ، ثم تعرضه مشقة التحصيل ، فيترك الدرس أو يتساهل في فهمه إلى حرفة أخرى يظنها أربح له ، فينقطع عن الطلب ، ويذهب في الجهل كل مذهب ، وكل هذا من ضعف الصبر ) .