محمد حسين الذهبي

555

التفسير والمفسرون

هذه الحرية العقلية ، وهذه الثورة على القديم ، كان لهما أثر بالغ في المنهج الذي نهجه الشيخ لنفسه . وسار عليه في تفسيره . وذلك : أن الأستاذ الإمام اتخذ لنفسه مبدءا يسير عليه في تفسير القرآن الكريم ، ويخالف به جماعة المفسرين المتقدمين . وهو فهم كتاب اللّه من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة : وذلك لأنه كان يرى أن هذا هو المقصد الأعلى للقرآن ، وما وراء ذلك من المباحث فهو تابع له ، أو وسيلة لتحصيله « 1 » ، يقرر الأستاذ الإمام هذا المبدأ في التفسير ، ثم يتوجه باللوم إلى المفسرين الذين غفلوا عن الغرض الأول للقرآن . وهو ما فيه من هداية وإرشاد وراحوا يتوسعون في نواح أخرى من ضروب المعاني ، ووجوه النحو ، وخلافات الفقه ، وغير ذلك من المقاصد التي يرى الأستاذ الإمام أن الإكثار في مقصد منها ( يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الإلهى ، ويذهب بهم في مذاهب تنسيهم معناه الحقيقي « 2 » ) . لهذا نرى الأستاذ الإمام يقسم التفسير إلى قسمين : أحدهما : جاف مبعد عن اللّه وكتابه ، وهو ما يقصد به حل الألفاظ ، وإعراب الجمل ، وبيان ما ترمى إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية . قال : وهذا لا ينبغي أن يسمى تفسيرا . وإنما هو ضرب من التمرين في الفنون ، كالنحو ، والمعاني ، وغيرهما . وثانيهما : ذهاب المفسر إلى فهم المراد من القول ، وحكمة التشريع في العقائد والأحكام ، على الوجه الذي يجذب الأرواح ، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام ؛ ليتحقق فيه معنى قوله تعالى « هدى ورحمة » ونحوهما من

--> ( 1 ) تفسير المنار ج 1 ص 17 . ( 2 ) تفسير المنار ج 1 ص 18