محمد حسين الذهبي

549

التفسير والمفسرون

الشرعية الصحيحة ، بل قررت مبدأ الإيمان بما جاء من ذلك مجملا ، ومنعت من الخوض في التفصيلات والجزئيات ، وهذا مبدأ سليم ، يقف حاجزا منيعا دون تسرب شئ من خرافات الغيب المظنون إلى المعقول والعقائد . كذلك نجد هذه المدرسة أبعدت التفسير عن التأثر باصطلاحات العلوم والفنون ، التي زجّ بها في التفسير بدون أن يكون في حاجة إليها ، ولم تتناول من ذلك إلا بمقدار الحاجة ، وعلى حسب الضرورة فقط . ثم إن هذه المدرسة ، نهجت بالتفسير منهجا أدبيا اجتماعيا ، فكشفت عن بلاغة القرآن وإعجازه ، وأوضحت معانيه ومراميه ، وأظهرت ما فيه من سنن الكون الأعظم ونظم الاجتماع ، وعالجت مشاكل الأمة الإسلامية خاصة ، ومشاكل الأمم عامة ، بما أرشد إليه القرآن ، من هداية وتعاليم . جمعت بين خيرى الدنيا والآخرة ، ووفقت بين القرآن وما أثبته العلم من نظريات صحيحة ، وجلت للناس أن القرآن كتاب اللّه الخالد ، الذي يستطيع أن يساير التطور الزمنى والبشرى ، إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها ، ودفعت ما ورد من شبه على القرآن ، وفندت ما أثير حوله من شكوك وأوهام ، بحجج قوية قذفت بها على الباطل فدمغته فإذا هو زاهق كل هذا بأسلوب شيق جذاب يستهوى القارئ ، ويستولى على قلبه ، ويحبب إليه النظر في كتاب اللّه ، ويرغبه في الوقوف على معانيه وأسراره . هذا ما نحمده لهذه المدرسة ، ولا نستطيع أن نغمطها عليه ، أو نقلل من فضلها فيه . عيوب هذه المدرسة : أما ما نأخذه على هذه المدرسة ، فهو أنها أعطت لعقلها حرية واسعة ، فتأولت بعض الحقائق الشرعية التي جاء بها القرآن الكريم ، وعدلت بها عن الحقيقة إلى المجاز أو التمثيل ، وليس هناك ما يدعو لذلك إلا مجرد الاستبعاد والاستغراب . استبعاد بالنسبة لقدرة البشر القاصرة ، واستغراب لا يكون إلا ممن جهل قدرة اللّه وصلاحيتها لكل ممكن . كما أنها بسبب هذه الحرية العقلية الواسعة جارت المعتزلة في بعض تعاليمها