محمد حسين الذهبي

531

التفسير والمفسرون

اللهم إن هذا التأويل لا يجوز ، ولهذا فإنه لم يصادف غفلة من عقول العلماء وأقلامهم ، فقام كثير منهم بالرد على صاحبه ، وتفنيد ما ذهب إليه « 1 » ، ولقد تنبه القائمون على أمر الأزهر حينئذ إلى خطر هذا الرأي وما يجره على الدين من بلاء . فجوزى صاحب المقال على ما كان منه جزاء إن كان بسيطا في حد ذاته ، فهو يدل على أن أفكار الكاتب لم تلق قبولا ولم تجد رواجا في محيط العلماء . ووجدنا غير هذا وذاك من تأثر ببعض الآراء الفلسفية فراح ينكر بعض الحقائق الدينية لثابتة ، ويتأول ما ورد منها في القرآن بما يتمشى مع مذاهب الفلاسفة ، فأنكر حقيقة الشيطان ، وتأويل ما جاء من لفظ الشيطان في قوله تعالى في الآية ( 117 ) من سورة النساء : « إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً » فقال ما نصه : ( . . . والمعنى أن هؤلاء لم يجيبوا حين أشركوا باللّه داعى العقل أو داعى فطرة ، وإنما أجابوا نزعات الشر المثبتة في العالم على مقتضى سنة اللّه من الابتلاء بعوامل الخير وعوامل الشر ، فهم بذلك يتبعون قوة خفية أطلق عليها كلمة ( شيطان ) جريا على عادة العرب المألوفة ، إذ كانوا يتصورون قوى الشر شياطين تتحدث وتناجى وتغرى وتدفع إلى ما تريد ) . . ثم قال : ( هذا هو الشيطان الذي يلبى المشرك بإشراكه أمره . ويتخذه وليا يأمره وينهاه . . . « 2 » ) اه . وفي موضع آخر نجد « 3 » صاحب هذا الرأي يعود إليه فيؤكده ، ولست أدرى ما ذا يفعل في سياق الآية ، وفي القرائن التي احتفت بها ، والصفات التي انتظمتها مما يؤكد أن المراد هو إبليس ، ذلك الكائن الخارجي المستقل المستتر عن أعين الناس ، كما لا أدرى كيف يفعل بالأحاديث الثابتة عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والتي تقرر أن الشيطان حقيقة لها وجود خارجي .

--> ( 1 ) خير من رد عليه أستاذنا السيد محمد الخضر حسين في مجلة الهداية الإسلامية العدد السابع من المجلد التاسع ( مارس سنة 1937 م ) ( 2 ) مجلة الايمان السنة الخامسة العدد 21 ص 11 . ( 3 ) مجلة الإيمان السنة الخامسة العدد 24 .