محمد حسين الذهبي
480
التفسير والمفسرون
وأحكمت طائفة صحيح النظر ، وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام ، وسائر الأحكام ، فأسسوا أصوله ، وفرعوا فروعه ، وبسطوا القول في ذلك بسطا حسنا ، وسموه بعلم الفروع وبالفقه أيضا . وتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة ، والأمم الخالية ، ونقلوا أخبارهم ، ودونوا آثارهم ووقائعهم ، حتى ذكروا بدء الدنيا ، وأول الأشياء ، وسموا ذلك بالتاريخ . وتنبه آخرون لما فيه من الحكم ، والأمثال ، والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال ، وتكاد تدكدك الجبال ، فاستنبطوا مما فيه من الوعد ، والوعيد ، والتحذير ، والتبشير ، وذكر الموت ، والمعاد والنشر ، والحشر ، والحساب ، والعقاب ، والجنة ، والنار ، فصولا من المواعظ ، وأصولا من الزواجر ، فسموا بذلك الخطباء والوعاظ . واستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير ، مثل ما ورد في قصة يوسف في البقرات السمان ، وفي منامي صاحبي السجن ، وفي رؤياه الشمس والقمر والنجوم ساجدة ، وسموه تعبير الرؤيا ، واستنبطوا تأويل كل رؤيا من الكتاب ، فإن عز عليهم إخراجها منه فمن السنة التي هي شارحة للكتاب ، فإن عز فمن الحكم والأمثال ، ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم وعرف عاداتهم ، الذي أشار إليه القرآن بقوله : وأمر بالمعروف « 1 » » . وأخذ قوم مما في آية المواريث من ذكر السهام وأربابها وغير ذلك ، علم الفرائض ، واستنبطوا منها من ذكر النصف ، والثلث ، والربع ، والسدس ، والثمن ، حساب الفرائض ، ومسائل العدل ، واستخرجوا منه أحكام الوصايا . ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة ، في الليل ، والنهار ، والشمس ، والقمر ، ومنازله ، والبروج ، وغير ذلك فاستخرجوا منه علم المواقيت .
--> ( 1 ) الآية ( 17 ) من سورة لقمان .