محمد حسين الذهبي
445
التفسير والمفسرون
فيها ( إن مذهب الشافعي رضى اللّه عنه أسد المذاهب وأقومها ، وأرشدها وأحكمها ، وإن نظر الشافعي في أكثر آرائه ومعظم أبحاثه يترقى عن حد الظن والتخمين ، إلى درجة الحق واليقين ، والسبب في ذلك أنه - يعنى الشافعي - بنى مذهبه على كتاب اللّه تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، وأنه أتيح له درك غوامض معانيه ، والغوص على تيار بحره لاستخراج ما فيه ، وأن اللّه تعالى فتح له من أبوابه ، ويسر عليه من أسبابه ، ورفع له من حجابه ما لم يسهل لمن سواه ، ولم يتأت لمن عداه . . . « 1 » ) . يقرر صاحبنا هذا ، وأنا لا أنكره عليه ، ولا أغض من مقام الشافعي رحمه اللّه ، ولكنني أقول : إن تقديم الكتاب بمثل هذا الكلام ؛ نطق بأن الرجل متعصب لمذهبه ، وشاهد عليه بأنه سوف يسلك في تفسيره مسلك الدفاع عن قواعد الشافعي ، وفروع مذهبه ، وإن أداه ذلك إلى التعسف في التأويل . وإذا لم يكفك هذا دليلا على تعصب الرجل فدونك الكتاب ، لتقف بعد القراءة فيه على مبلغ تعصب صاحبه وتعسفه . تأدبه مع الأئمة وحملته على الجصاص : غير أن الهراسى - والحق يقال - كان عف اللسان والقلم مع أئمة المذاهب الأخرى ، ومع كل من يتعرض للرد عليه من المخالفين ، فلم يخض فيهم كما خاض الجصاص في الشافعي وغيره ، وكل ما لاحظناه عليه من ذلك هو أنه وقف من الجصاص موقفا كان فيه شديد المراس ، قوى الجدال ، قاسى العبارة ؛ إذ أنه عرض لأهم مواضع الخلاف التي ذكرها الجصاص في تفسيره وعاب فيها مذهب الشافعي ، ففند كل شبهة أوردها ، ودفع كل ما وجهه إلى مذهب الشافعي ، بحجج قوية يسلم له الكثير منها ، كما أنه اقتص للشافعي من الجصاص ، فرماه بالعبارات الساخرة ، والألفاظ المقذعة « والجزاء من جنس العمل » . فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 23 ) من سورة النساء . « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ . . . الآية » نجده يرد على الجصاص ما استدل به لمذهبه القائل
--> ( 1 ) ص 2 .