محمد حسين الذهبي

418

التفسير والمفسرون

الشك ، ولا تحوم حولها الشبهة . . نعم أعجبوا بها رغم هذا ، لأنهم وجدوا أن في مقدورهم أن يوفقوا بين الحكمة والعقيدة ، أو بين الفلسفة والدين ، وأن يبينوا للناس أن الوحي لا يناقض العقل في شئ ، وأن العقيدة إذا استنارت بضوء الحكمة تمكنت من النفوس ، وثبتت أمام الخصوم . . . رأوا أن هذا في مقدورهم ، فبذلوا كل ما يستطيعون من حلول ليصلوا الفلسفة بالدين ، ويؤاخوا بينهما ، حتى يصبح الدين فلسفة ، والفلسفة دينا ، وفعلا وصل فلاسفة المسلمين إلى هذا التوفيق ، ولكنه توفيق إن أرضى بعض المسلمين فقد أغضب الكثير منهم ؛ ذلك لأنهم لم يصلوا في توفيقهم إلا إلى حلول وسطى ، صوروا فيها التعاليم الدينية تصويرا يبعد كثيرا عن الصور الثابتة المأثورة ، ومثل هذه الحلول لا تصلح للتوفيق بين جانبين متقابلين وطرفين متنافرين ؛ ولذلك لم يجد الغزالي ومن لف لفه صعوبة في الرد على هؤلاء الفلاسفة الموفقين ، وإبطال محاولاتهم ، التي ظنوا أنهم أرضوا بها رجال الدين الواقفين عند حدوده وتعاليمه . كيف كان التوفيق بين الدين والفلسفة ؟ ثم إن الفلاسفة الموفقين بين الدين والفلسفة ، كانت لهم طريقتان يسيرون عليهما في توفيقهم : أما الطريقة الأولى : فهي طريقة التأويل للنصوص الدينية والحقائق الشرعية ، بما يتفق مع الآراء الفلسفية ومعنى هذا إخضاع تلك النصوص والحقائق إلى هذه الآراء حتى تسايرها وتتمشى معها . وأما الطريقة الثانية : فهي شرح النصوص الدينية والحقائق الشرعية بالآراء والنظريات الفلسفية ومعنى هذا أن تطغى الفلسفة على الدين وتتحكم في نصوصه ، وهذه الطريقة أخطر من الأولى ، وأكثر شرا منها على الدين .