محمد حسين الذهبي
410
التفسير والمفسرون
فاعترض عليه السامع وقال : كيف تقول إنه لا يراك ، وأنت تعلم أنه يراك فقال مرتجلا : يا من يراني مجرما * ولا أراه آخذا كم ذا أراه منعما * ولا يراني لائذا « 1 » قالوا : فهذا يدل على أن كلام الشيخ لا يراد به ظاهره ، وإنما له محامل تليق به . ومن العلماء من ينزه ابن عربى عن هذه العبارات الموهمة ويقول : إن ما جاء من ذلك فهو مدسوس عليه ، ويروون في ذلك أن الشعراني الذي اختصر الفتوحات قال : ( وقد توقفت حال الاختصار في مواضع كثيرة منه ، لم يظهر لي موافقتها لما عليه أهل السنة والجماعة . فحذفتها من هذا المختصر . وربما سهوت فتبعت ما في الكتاب ، كما وقع للبيضاوى مع الزمخشري ، ثم لم أزل كذلك أظن أن المواضع التي حذفت ثابتة عن الشيخ محيي الدين ، حتى قدم علينا الأخ العالم الشريف شمس الدين السيد محمد بن السيد أبى الطيب المدني المتوفى سنة 955 ه فذاكرته في ذلك ، فأخرج إلى نسخة من الفتوحات التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه بقونية ، فلم أر فيها شيئا مما توقفت فيه وحذفته ، فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن كلها كتبت من النسخة التي دسوا على الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السنة والجماعة ، كما وقع له ذلك في كتاب الفصوص وغيره « 2 » ) . ومهما يكن من شئ ، فابن عربى معقد في أفكاره ، موهم في ألفاظه وتعابيره مشكل في أكثر ما يقول . ومع كل هذا فلا أتهمه في عقيدته ، لجهلى باصطلاحات القوم ورموزهم . وكلمة الإنصاف فيه - كما أعتقد - قول الحافظ الذهبي عنه ( وله توسع في الكلام ، وذكاء ، وقوة خاطر ، وحافظة ، وتدقيق في التصوف وتآليفه جمة في العرفان ، ولولا شطحه في الكلام لم يكن به بأس ) « 3 » .
--> ( 1 ) ترجمة المؤلف الموجودة بخاتمة الفتوحات ج 4 ص 557 . ( 2 ) خاتمة الفتوحات ص 555 ( 3 ) دائرة المعارف للبستاني ص 599 .