محمد حسين الذهبي
403
التفسير والمفسرون
فسيح السر ، طيب الوقت والحال ، مسرور الروح بذلك الفتوح ، كأنه دائما في غبوق وصبوح ، تنكشف لي تحت كل آية من المعاني ما يكل بوصفه لساني لا القدرة تفي بضبطها وإحصائها ، ولا القدرة تصبر عن نشرها وإفشائها ، فتذكرت خبر من أتى ما ازدهانى ، مما وراء المقاصد والأماني ، قول النبي الأمى الصادق عليه أفضل الصلوات من كل صامت وناطق : ( ما نزل من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن ، ولكل حرف حد ولكل حد مطلع ) وفهمت منه أن الظهر : هو التفسير ، والبطن : هو التأويل ، والحد : ما يتناهى إليه المفهوم من معنى الكلام والمطلع ما يصعد إليه منه فيطلع على شهود الملك العلام وقد نقل عن الإمام المحقق السابق جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال لقد تجلى اللّه لعباده في كلامه ، ولكن لا يبصرون ، وروى عنه عليه السلام أنه خر مغشيا عليه وهو في الصلاة فسئل عن ذلك فقال : ما زلت أردد الآية حتى سمعتها من المتكلم بها . . . فرأيت أن أعلق بعض ما يسنح لي في الأوقات من أسرار حقائق البطون وأنوار شوارق المطلعات ، دون ما يتعلق بالظواهر والحدود ، فإنه قد عين لها حد محدد ، وقيل : من فسر برأيه فقد كفر . وأما التأويل فلا يبقى ولا يذر ؛ فإنه يختلف بحسب أحوال المستمع وأوقاته ، في مراتب سلوكه وتفاوت درجاته ، وكلما ترقى عن مقامه انفتح له باب فهم جديد ، واطلع به على لطيف معنى عتيد ، فشرعت في تسويد هذه الأوراق بما عسى يسمح به الخاطر على سبيل الاتفاق ، غير حائم بقيعة التفسير ، ولا خائض في لجة من المطلعات ما لا يسعه التقرير مراعيا لنطق الكتاب وترتيبه ، غير معيد لما تكرر منه أو تشابه في أساليبه ، وكل ما لا يقبل التأويل عندي ، أو لا يحتاج إليه فما أوردته أصلا ، ولا أزعم أنى بلغت الحد فيما أوردته كاملا فإن وجوه الفهم لا تنحصر فيما فهمت . وعلم اللّه لا يتقيد بما علمت ، ومع ذلك فما وقف الفهم منى على ما ذكر فيه ، بل ربما لاح لي فيما كتب من الوجوه ما تهت في محاويه ، وما يمكن تأويله من الأحكام الظاهر منها إرادة ظاهرها فما أولته إلا قليلا ليعلم به أن للفهم إليه سبيلا ، ويستدل بذلك على نظائرها إن جاوز مجاوز عن ظواهرها ، إذ لم يكن في تأويلها بد من تعسف ، وعنوان المروءة ترك التكلف