محمد حسين الذهبي

364

التفسير والمفسرون

أفرد سرك ، واللام ليت جوارحك لعبادتي ، والميم : أقم معي بمحو رسومك وصفاتك ، أزينك بصفات الأنس بي ، والمشاهدة إياي ، والقرب منى . . ) اه « 1 » : فهذا الذي قاله سهل التستري والذي قاله أبو عبد الرحمن السلمى مشكل كالمروى عن ابن عباس ، بل وأعظم منه إشكالا حيث ادعوا أن هذه الحروف ترمز إلى أسرار غيبية ومعان مكنية ، وإذا جمعت هذه الحروف على طريقة مخصوصة كان كذا وكذا ، بل ويدعون أحيانا أن هذه الحروف هي أصل العلوم ومنبع المكاشفات على أحوال الدنيا والآخرة ، وينسبون ذلك إلى أنه مراد اللّه تعالى في خطابه العرب الأمية التي لا تعرف شيئا من ذلك ، وهذه كلها دعاوى يدعونها على القرآن ، ولا أحسب أنهم استندوا فيها إلى دليل برهاني أو إقناعى ، وكل ما أقوله فيها : إنها دعاوى محالة على الكشف والاطلاع ، ودعوى الكشف والاطلاع لا تصلح دليلا شرعيا بحال من الأحوال ، ومن المواضع المشكلة أيضا ، ولكنها أخف إشكالا مما مر . . ما جاء عنهم من نحو تفسير سهل التستري لقوله تعالى في الآية ( 96 ) من سورة آل عمران : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ . . . الآية » بقوله : ( أول بيت وضع للناس بيت اللّه عز وجل بمكة ، هذا هو الظاهر ، وباطنها الرسول يؤمن به من أثبت اللّه في قلبه التوحيد من الناس « 2 » ) ومن ذلك تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 36 ) من سورة النساء « . . وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ . . » حيث يقول - بعد ذكره للتفسير الظاهر - ( . . وأما باطنها ، فالجار ذي القربى : هو القلب ، والجار الجنب : هو الطبيعة ، والصاحب بالجنب : هو العقل المقتدى بالشريعة ، وابن السبيل : هو الجوارح المطيعة للّه . . ) اه « 2 »

--> ( 1 ) حقائق التفسير ص 9 . ( 2 ) تفسير القرآن العظيم للتسترى ص 41 و 45