محمد حسين الذهبي

360

التفسير والمفسرون

التوبة : « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ » وظاهر أنهم لم يعبدوهم من دون اللّه ، ولكنهم ائتمروا بأوامرهم ، وانتهوا عما نهوهم عنه كيف كان ، فما حرموا عليهم حرموه ، وما أباحوا لهم حللوه ، وفاتهم أن المحلل والمحرم هو اللّه ، فقال اللّه سبحانه : « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ » وهذا بعينه هو شأن المتبع لهوى نفسه . وأما ما يشهد له من الجهة الثانية : فهو أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قال لبعض من توسع في الدنيا من أهل الإيمان أين تذهب بكم هذه الآية ؟ « أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا » وكان هو يعتبر نفسه بها ، مع أن الآية نزلت في حق الكفار لقوله تعالى « وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ . . . الآية « 1 » » فعمر رضى اللّه عنه ، له في الآية نظر واعتبار ، فأخذ من معناها معنى أجرى الآية فيه وإن لم تنزل فيه ، حذرا منه وخوفا أن يكون التوسع في المباحات سببا في الحرمان من نعيم الآخرة ومتاعها ، فإذا صح لعمر رضى اللّه عنه أن ينزل الآية على المتوسعين في المباحات من المؤمنين ولم تنزل فيهم ، صح لسهل أيضا أن ينزل الآية على النفس الأمارة وإن لم تنزل فيها كذلك . ومن ذلك أيضا ما جاء في قوله تعالى في الآية ( 35 ) من سورة البقرة « . . . وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ » من قول سهل رحمه اللّه . ( لم يرد اللّه معنى الأكل في الحقيقة ، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة لشئ هو غيره . . أي لا تهتم بشيء هو غيرى . قال : فآدم عليه السلام لم يعصم من الهمة والفعل في الجنة ، فلحقه ما لحقه من أجل ذلك . قال : وكذلك كل من ادعى ما ليس له وساكنه قلبه ناظرا إلى هوى نفسه ، لحقه الترك من للّه عز وجل مع ما جبلت عليه نفسه إلا أن يرحمه اللّه ، فيعصمه من تدبيره وينصره على عدوه وعليها . . . قال : وآدم لم يعصم عن مساكنة قلبه إلى تدبير نفسه للخلود لما أدخل الجنة ، ألا ترى أن البلاء دخل عليه من أجل سكون القلب إلى ما وسوست به نفسه ، فغلب الهوى والشهوة العلم والعقل والبيان ونور القلب ؛

--> ( 1 ) الآية ( 30 ) من سورة الأحقاف .