محمد حسين الذهبي

351

التفسير والمفسرون

والتخمين لا يجوز أن يدخل في فهم الأشياء التي لا يتوصل إلى حقيقتها إلا من طريق السمع عن المعصوم صلى اللّه عليه وسلم . وأما التفسير الذي يبنى على قواعد نحوية أو بلاغية ، فهذا إن ساعده السياق والسباق قبل ، وإلا أعرضنا عنه ، وأخذنا بما يصححه النظر ويقويه الدليل . هذا هو رأينا في التفسير الصوفي النظري ، وليس لدينا من المعاذير ما نستطيع أن نتلمسه للقوم حتى نصحح لهم مثل هذا التفسير الذي يقوم على نظريات فاسدة تذهب بالدين من أساسه . وإذا صح - وما أراني ارتضى ذلك - أن نغض الطرف عما قالوه في التفسير من بيان لحقائق الموجودات علويها وسفليها . وحقائق الملائكة ، والروح ، والعرش ، والكرسي ، وأمثال ذلك ، فلا يصح أن نغض الطرف بحال عما قالوه من التفسير المبنى على وحدة الوجود . وإذا أمكننا - على كره - أن نتسامح في بعض عبارات شديدة جرى بها لسان صوفي أخذه الوجد ، وارتفع به الحال ، وغاب عن نفسه ، وشاهد ما لا نشاهد ، فقال في لحظة نسي فيها نفسه فلم ير إلا اللّه : أنا الحق ، أو أنا اللّه ، فليس في مقدورنا أن نتسامح في مثل هذه التفاسير التي جرت بها ألسنة القوم وأقلامهم وهم في حالة الهدوء النفسي ، يقدرون ما يقولون ، ويشعرون بكل ما ينطقون أو يكتبون . هذا ولم نسمع بأن أحدا ألف في التفسير الصوفي النظري كتابا خاصا يتتبع القرآن آية آية ، كما ألف مثل ذلك بالنسبة التفسير الإشارى ، وكل ما وجدناه من ذلك هو نصوص متفرقة اشتمل عليها التفسير المنسوب إلى ابن عربى ، وكتاب الفتوحات المكية له ، وكتاب الفصوص له أيضا ، كما يوجد بعض من ذلك في كثير من كتب التفسير المختلفة المشارب .