محمد حسين الذهبي

343

التفسير والمفسرون

« زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها » يقول : ( تحقيق هذا الذكر أن النفس لا تزكوا إلا بربها ، فيه تشريف وتعظيم في ذاتها ، لأن الزكاة ربو ، فمن كان الحق سمعه وبصره وجميع قواه ، والصورة في الشاهد صورة خلق ، فقد زكت نفس من هذا نعته ، وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ، كالأسماء الإلهية للّه . والخلق كله بهذا النعت في نفس الأمر ، ولولا أنه هكذا في نفس الأمر ما صح بصورة الخلق ظهور ولا وجود ، ولذلك خاب من دساها ؛ لأنه جهل ذلك فتخيل أنه دسها في هذا النعت ، وما علم أن هذا النعت لنفسه نعت ذاتي لا ينفك عنه ويستحيل زواله . لذلك وصفه بالخيبة حيث لم يعلم هذا ، ولذلك قال « قد أفلح » ففرض له البقاء ، والبقاء ليس إلا للّه ، أو لما كان عند اللّه ، وما ثم إلا اللّه ، أو ما هو عنده ، فخزائنه غير نافذة ، فليس إلا صور تعقب صورا . . . « 1 » ) اه . . . وغير هذا كثير من قسر الآيات وإخضاعها لنظرية وحدة الوجود التي يدين بها ابن عربى . قياسة الغائب على الشاهد : كذلك نجد ابن عربى يفهم بعض النصوص القرآنية فهما خياليا منتزعا من المشاهد المحسوس ، فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في أول سورة الرحمن . « الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ * وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ * » . يقول ما نصه ( : الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ » على أي قلب نزل « خلق الإنسان » فعين له الصنف المنزل عليه « علمه البيان » أي نزل له البيان فأبان عن المراد الذي في الغيب « الشمس والقمر بحسبان » ميزان حركات الأفلاك « والنجم والشجر يسجدان » لهذا الميزان أي من أجل هذا الميزان ، فمنه ذو ساق وهو الشجر . ومنه ما لا طاق له وهو النجم ، فاختلفت السجدتان . « والسماء رفعها » وهي قبة الميزان « ووضع الميزان » ليزن به الثقلان « ألا تطغوا في الميزان » بالإفراط والتفريط من أجل الخسران « وأقيموا الوزن

--> ( 1 ) الفتوحات ج 4 ص 119 .