محمد حسين الذهبي

340

التفسير والمفسرون

وليس من السهل أن يجد الصوفي في القرآن ما يتفق صراحة مع تعاليمه ، ولا ما يتمشى بوضوح مع نظرياته التي يقول بها ؛ إذ أن القرآن عربى جاء لهداية الناس لا لإثبات نظرية من النظريات ، ربما كانت في الغالب مستحدثة وبعيدة عن روح الدين وبداهة العقل . غير أن الصوفي حرصا منه على أن يتسلم له تعاليمه ونظرياته ، يحاول أن يجد في القرآن ما يشهد له أو يستند إليه ، فتراه من أجل هذا يتعسف في فهمه للآيات القرآنية ، ويشرحها شرحا يخرج بها عن ظاهرها الذي يؤيده الشرع ، وتشهد له اللغة . ابن عربى شيخ هذه الطريقة : ونستطيع أن نعتبر الأستاذ الأكبر محيي الدين بن عربى شيخ هذه الطريقة في التفسير ؛ إذ أنه أظهر من خب فيها ووضع ، وأكثر أصحابه معالجة للقرآن على طريقة التصوف النظري ، وإن كان له من التفسير الإشارى ما يجعله في عداد المفسرين الإشاريين إن لم يكن شيخهم أيضا . تأثر ابن عربى بالنظريات الفلسفية : نقرأ لابن عربى في الكتب التي يشك في نسبتها إليه ، كالتفسير المشهور باسمه ، وفي الكتب التي تنسب إليه على الحقيقة كالفتوحات المكية ، والفصوص ، فنراه يطبق كثيرا من الآيات القرآنية على نظرياته الصوفية الفلسفية . فمثلا يفسر بعض الآيات بما يتفق والنظريات الفلسفية الكونية ، فعند قوله تعالى في الآية ( 57 ) من سورة مريم في شأن إدريس عليه السلام : « وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا » نجده يقول : ( وأعلى الأمكنة المكان الذي تدور عليه رحى عالم الأفلاك ، وهو فلك الشمس ، وفيه مقام روحانية إدريس ، وتحنه سبعة أفلاك ، وفوقه سبعة أفلاك ، وهو الخامس عشر ) . . ثم ذكر الأفلاك التي تحته ، والتي فوقه ، ثم قال : ( وأما علو المكانة فهو لنا أعنى المحمديين كما قال تعالى :