محمد حسين الذهبي

338

التفسير والمفسرون

أن يتطهر ، وصفاء لمن أراد التبرؤ من الرجس والدنس ، وفي تلك المحادثة عروج إلى سماء النور والملائكة ، وصعود إلى عالم الفيض والإلهام . وما هذا الحديث والنجوى إلا ضرب من التأمل ، والنظر ، والتدبر في ملكوت السماوات والأرض . بيد أن الجسم والنفس متلازمان وتوأمان لا ينفصلان ، ولا سبيل إلى تهذيب أحدهما بدون الآخر . فمن شاء لنفسه صفاء ورفعة فلا بد له أن يتبرأ عن الشهوات وملذات البدن . . فالتصوف إذن : فكر وعمل . ودراسة ، وسلوك « 1 » ) . نشأة التصوف وتطوره : والتصوف بهذا المعنى موجود منذ الصدر الأول للإسلام فكثير من الصحابة كانوا معرضين عن الدنيا ومتاعها ، آخذين أنفسهم بالزهد والتقشف ، مبالغين في العبادة ، فكان منهم من يقوم الليل ويصوم النهار ، ومنهم من يشد الحجر على بطنه تربية لنفسه وتهذيبا لروحه ، غير أنهم لم يعرفوا في زمنهم باسم الصوفية ، وإنما اشتهر بهذا اللقب فيما بعد من عرفوا بالزهد والتفانى في طاعة اللّه تعالى ، وكان هذا الاشتهار في القرن الثاني الهجري ، وأول من سمى بالصوفي : أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة 150 ه خمسين ومائة من الهجرة « 2 » وفي هذا القرن وما بعده تولدت بعض الأبحاث الصوفية ، وظهرت تعاليم القوم ونظرياتهم التي تواضعوا عليها ، وأخذت هذه الأبحاث تنمو وتتزايد كلما تقادم العهد عليها . وبمقدار ما اقتبسه القوم من المحيط العلمي الذي يعيشون فيه تطورت هذا الأبحاث والنظريات . ولقد استفاد المتصوفة من الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء ما كان له الأثر الأكبر في هذا التطور الصوفي ، غير أنهم أخذوا من الفلسفة بحظ وافر ، بل وكونوا فلسفة خاصة بهم ، حتى أصبحنا نرى بينهم رجالا أشبه بالفلاسفة منهم بالمتصوفة ،

--> ( 1 ) دروس في تاريخ الفلسفة للدكتور مدكور ، ويوسف كرم ص 140 . ( 2 ) كشف الظنون ج 1 ص 150