محمد حسين الذهبي

32

التفسير والمفسرون

ولا شك أن باب التأويل الباطني باب واسع يمكن لكل من ولجه أن يصل منه إلى كل ما يدور بخلده ويجيش بخاطره . وليس لقائل أن يقول : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صرح بأن للقرآن باطنا ، وإن المفسرين جميعا يعترفون بذلك ويقولون به ، فكيف توجه اللوم إلى الإمامية وحدهم ؟ ليس لقائل أن يقول ذلك ؛ لأن الباطن الذي أشار إليه الحديث وقال به جمهور المفسرين ، هو عبارة عن التأويل الذي يحتمله اللفظ القرآني ، ويمكن أن يكون من مدلولاته . أما الباطن الذي يقول به الشيعة فشىء يتفق مع أذواقهم ومشاربهم ، وليس في اللفظ القرآني الكريم ما يدل عليه ولو بالإشارة . مخلصهم من تناقض أقوالهم في التفسير : ثم إن الإمامية الاثني عشرية ، أحسوا بخطر موقفهم وتحرجه عندما جوزوا أن يكون للآية الواحدة أكثر من تفسير واحد مع التناقض والاختلاف بين هذه التفاسير . فأخذوا يموّهون على العامة ويضللونهم ، فقرروا من المبادئ ما أوجبوا الاعتقاد به أوّلا على الناس ليصلوا بعد ذلك إلى مخلص يتخلصون به من هذا المأزق الحرج ، فكان من هذه المبادئ التي قرروها وأوجبوا الاعتقاد بها ما يأتي : أولا : أن الإمام مفوض من قبل اللّه في تفسير القرآن . ثانيا : أنه مفوض في سياسة الأمة . ثالثا : التقية . وكل واحد من هذه الثلاثة يمكن أن يكون مخلصا للخروج من هذا التناقض الذي وقع في تفاسيرهم التي يروونها عن أئمتهم ، فكون الإمام مفوضا من قبل اللّه في تفسير القرآن مخلص لهم ؛ لأن باب التفويض واسع . وكونه مفوضا في سياسة الأمة مخلص أيضا ؛ لأن الإمام أعلم بالتنزيل والتأويل ، وأعلم بما فيه صلاح السائل والسامع ، فهو يجيب كل إنسان على حسب ما يرى فيه صلاح حاله .