محمد حسين الذهبي
317
التفسير والمفسرون
للإباضية وحدهم ، ولعل السر في ذلك : أن جميع فرق الخوارج ما عدا الإباضية بادت ولم يبق لها أثر . أما الإباضية فموجودون إلى يومنا هذا ، ومذهبهم منتشر في بلاد المغرب ، وحضرموت ، وعمان ، وزنجبار . ولكن بقي بعد هذا سؤال يتردد في نفسي ، ولعله يتردد في نفس القارئ أيضا ، وهو : ما السر في أن الخوارج قل إنتاجهم في التفسير ؟ والجواب عن هذا السؤال - كما أعتقد - ينحصر في أمور ثلاثة وهي ما يأتي : أولا : أن الخوارج كان أكثرهم من عرب البادية ، ومن قبائل تميم على الأخص ، وقليل منهم كان يسكن البصرة والكوفة مع احتفاظه ببداوته ، فكانوا لغلبة البداوة عليهم أبعد الناس عن التطور الديني ، والعلمي ، والاجتماعي ، وكانوا يمثلون الإسلام الأول في بساطته ، وعلى فطرته ، بدون أن تشوبه تعاليم الأمم الأخرى . أضف إلى ذلك : احتفاظهم بأهم خصائص أهل البدو من سذاجة التفكير ، وضيق التصور ، والبعد عن التأثر بحضارة الأمم المجاورة لهم . ثانيا : أنهم شغلوا بالحروب من مبدأ نشأتهم . وكانت حروبا قاسية وطويلة ، ومتتابعة . . . أسلمتهم حروب على إلى حروب الأمويين ، وأسلمتهم حروب الأمويين إلى حروب العباسيين التي تركتهم في حالة تشبه الاحتضار ، وتؤذن بالفناء ، فكان من الطبيعي أن لا تدع الحرب لهم من الوقت ما يتسع للبحث والتصنيف . ثالثا : أن الخوارج - مع ما هم عليه من شذوذ - كانوا يخلصون لعقيدتهم ، ويتمسكون بإيمانهم إلى حد كبير ، ويرون أن الكذب جريمة من أكبر الجرائم ، وبه - عند جمهورهم - يخرج الإنسان من عداد المؤمنين . فلعل هذا دعاهم إلى عدم الخوض في تفسير القرآن ، وجعلهم يتورعون عن البحث وراء معانيه ،