محمد حسين الذهبي

305

التفسير والمفسرون

مواقف الخوارج من تفسير القرآن الكريم تعددت فرق الخوارج ، وتعددت مذاهبهم وآراؤهم ، فكان طبيعيا - وهم ينتسبون إلى الإسلام ، ويعترفون بالقرآن - أن تبحث كل فرقة منهم عن أسس من القرآن الكريم ، تبنى عليها مبادئها وتعاليمها ، وأن تنظر إلى القرآن من خلال عقيدتها ، فما رأته في جانبها - ولو ادعاء - تمسكت به ، واعتمدت عليه ، وما رأته في غير صالحها حاولت التخلص منه بصرفه وتأويله ، بحيث لا يبقى متعارضا مع آرائها وتعاليمها . سلطان المذهب يغلب على الخوارج في فهم القرآن : والذي يقرأ تاريخ الخوارج ، ويقرأ ما لهم من أفكار تفسيرية ، يرى أن المذهب قد سيطر على عقولهم ، وتحكم فيها ، فأصبحوا لا ينظرون إلى القرآن إلا على ضوئه ، ولا يدركون شيئا من معانيه إلا تحت تأثير سلطانه ، ولا يأخذون منه إلا بقدر ما ينصر مبادئهم ويدعو إليها . فمثلا نرى أن أكثر الخوارج يجمعون على أن مرتكب الكبيرة كافر ، ومخلد في نار جهنم ، ونقرأ في الكتب التي تكلمت عن الخوارج فنجد ابن أبي الحديد - وهو ممن تعرض لهم في كتابه ( شرح نهج البلاغة ) - يسوق لنا أدلتهم التي أخذوها من القرآن ، وبنو عليها رأيهم في مرتكب الكبيرة ، كما نجده يناقش هذه الأدلة ، ويفندها دليلا بعد دليل . ونرى أن نمسك عن مناقشة ابن أبي الحديد لهذه الأدلة ، ويكفى أن نسوق للقارئ الكريم هذه الآيات التي استندوا إليها ، ووجهة نظرهم فيها ؛ فهي التي تعنينا في هذا البحث ، وهي التي ترينا إلى أي حد تأثر الخوارج بسلطان العقيدة في فهم نصوص القرآن . . . فمن هذه الأدلة ما يأتي : قوله تعالى في الآية ( 97 ) من سورة آل عمران « وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ » قالوا : فجعل تارك الحج كافرا .