محمد حسين الذهبي
247
التفسير والمفسرون
عنهم من أباطيل وأضاليل ، وإنما اخترت هذه النبذة بالذات ؛ لأنها تعطينا فكرة واضحة عن مقدار تلاعب الباطنية بكتاب اللّه تحت ستار التأويل ، وعن مبلغ استهزائهم بعقول العامة الذين وقعوا فيما نصبوه لهم من الأحابيل ! ! . . . مقالة محمد بن مالك اليماني في الباطنية : يقول محمد بن مالك اليماني : ( أول ما أشهد به وأشرحه ، وأبينه للمسلمين وأوضحه ، أن له - يريد علي بن محمد الصليحى زعيم باطنية اليمن في وقته - نوابا يسميهم الدعاة المأذونين ، وآخرين يلقبهم المكلبين ، تشبيها لهم بكلاب الصيد ؛ لأنهم ينصبون للناس الحبائل ، ويكيدونهم بالغواثل ، وينقبضون عن كل عاقل ، ويلبسون على كل جاهل ، بكلمة حق يراد بها الباطل ، ويحضونه على شرائع الإسلام ، من الصلاة والزكاة والصيام ، كالذي ينثر الحب للطير ليقع في شركه ، فيقيم أكثر من سنة يمعنون به ، وينظرون صبره ، ويتصفحون أمره ، ويخدعونه بروايات عن النبي صلى اللّه عليه وسلم محرفة ، وأقوال مزخرفة ، ويتلون عليه القرآن على غير وجهه ، ويحرفون الكلم عن مواضعه ، فإذا رأوا منه الانهماك والركون والقبول والإعجاب بجميع ما يعلمونه ، والانقياد بما يأمرونه ، قالوا حينئذ : اكشف عن السرائر ولا ترض لنفسك ولا تقنع بما قنع به العوام من الظواهر ، وتدبر القرآن ورموزه ، واعرف مثله وممثوله ، واعرف معاني الصلاة والطهارة ، وما روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بالرموز والإشارة ، دون التصريح في ذلك والعبارة ، فإنما جميع ما عليه الناس أمثال مضروبة ، لممثولات محجوبة ، فاعرف الصلاة وما فيها ، وقف على باطنها ومعانيها ، فإن العمل بغير علم لا ينتفع به صاحبه . فيقول : عم أسأل ؟ فيقول : قال اللّه تعالى « وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ « 1 » » فالزكاة مفروضة في كل عام مرة ، وكذلك الصلاة ، من صلاها مرة في السنة فقد أقام الصلاة بغير تكرار ، وأيضا فالصلاة والزكاة لهما باطن لأن الصلاة صلاتان ، والزكاة زكاتان ، والصوم صومان ، والحج حجان ، وما خلق اللّه سبحانه من ظاهر إلا وله باطن ، يدل على ذلك :
--> ( 1 ) في الآية ( 43 ) من سورة البقرة وفي مواضع أخرى من القرآن .