محمد حسين الذهبي

244

التفسير والمفسرون

ثم قال في آخر هذه الرسالة : ( . . . وما العجب من شئ كالعجب من رجل يدعى العقل ، ثم يكون له أخت أو بنت حسناء وليس له زوجة في حسنها ، فيحرمها على نفسه وينكحها من أجنبي ، ولو عقل الجاهل لعلم أنه أحق بأخته ، وبنته من الأجنبي ، ما وجه ذلك إلا أن صاحبهم حرم عليهم الطيبات وخوفهم بغائب لا يعقل ، وهو الإله الذي يزعمونه ، وأخبرهم بكون ما لا يرونه أبدا من البعث من القبور ، والحساب ، والجنة ، والنار ، حتى استعبدهم بذلك عاجلا وجعلهم له في حياته ، ولذريته بعد وفاته خولا ، واستباح بذلك أموالهم بقوله « لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى « 1 » » فكان أمره معهم نقدا وأمرهم معه نسيئة ، وقد استعجل منهم بذل أرواحهم وأموالهم على انتظار موعود لا يكون ، وهل الجنة إلا هذه الدنيا ونعيمها ؟ وهل النار وعذابها إلا ما فيه أصحاب الشرائع من التعب والنصب في الصلاة والصيام والجهاد والحج ) . ثم قال لسليمان بن الحسن في هذه الرسالة : ( . . . وأنت وإخوانك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس ، وفي هذه الدنيا ورثتم نعيمها ولذاتها المحرمة على الجاهلين المتمسكين بشرائع أصحاب النواميس ، فهنيئا لكم ما نلتم من الراحة عن أمرهم اه « 2 » ) . ومن جملة تأويلاتهم الباطلة التي يتوصلون بها إلى هواهم النفسي ، ومأربهم الشخصي ، أنهم بعد أن يلقوا على المدعو ما يشككونه به ، وتتطلع إلى معرفته من جهتهم نفسه ، يقولون له : لا نظهره إلا بتقديم خير عليه ، فيطلبون مائة وتسعة عشر درهما من السبيكة الخالصة . ويقولون : هذا تأويل قوله تعالى : « وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً « 3 » » فالحاء والسين والنون والألف إذا جمع عددها بحساب الجمل يكون مبلغه مائة وتسعة عشر « 4 » ) .

--> ( 1 ) في الآية ( 37 ) من سورة الشورى : ( 2 ) الفرق بين الفرق ص 281 - 282 ( 3 ) في الآية ( 20 ) من سورة المزمل ( 4 ) التبصير في الدين ص 87