محمد حسين الذهبي
217
التفسير والمفسرون
وبعد أن يقرر المؤلف هذا نراه يكشف لنا عن تلك الأمور المرموز إليها في القصة ، لا بقوته البشرية ؛ فإنها عاجزة عن إدراكها كما يقول ، بل بقوته الروحية التي تستلهم المعارف من اللّه ، وذلك حيث يقول في أثناء تفسيره للقصة نفسها : ( اعلم أن قصة خلق آدم وحواء من الطين ومن ضلعه الأيسر . وأمر الملائكة بالسجود لآدم ، وإباء إبليس عن السجدة ، وإسكان آدم وحواء الجنة ، ونهيهما عن أكل شجرة من أشجارها ، ووسوسة إبليس لهما ، وأكلهما من الشجرة المنهية ، وهبوطهما ، من المرموزات المذكورة في كتب الأمم السالفة وتواريخهم كما ذكرنا سابقا فالمراد بآدم في العالم الصغير : اللطيفة العاقلة الآدمية ، الخليفة على الملائكة الأرضيين ، وعلى الجنة والشياطين المطرودين عن وجه أرض النفس والطبع ، المسجودة للملائكة ، المخلوقة من الطين ، الساكنة في جنة النفس الإنسانية ، وهي أعلى من مقام النفس الحيوانية ، المخلوق من ضلع جنبها الأيسر الذي يلي النفس الحيوانية زوجتها المسماة بحواء ، لكدورة لونها بقربها من النفس الحيوانية . والمراد بالشجرة المنهية : مرتبة النفس الإنسانية التي هي جامعة لمقام الحيوانية والمرتبة الآدمية . والمراد بالحية واختفاء إبليس بين لحييها : القوة الواهمة ؛ فإنها لكونها مظهرا لإبليس ، تسمى بإبليس في العالم الصغير ، ووسوسته تزيينها ما لا حقيقة له للجنب الأيسر من آدم المعبر عنه بجواء . وهبوط آدم وحواء عبارة عن تنزيلهما إلى مقام الحيوانية . وهبوط الحية وذريتهما : عبارة عن تنزلهما عن مقام التبعية لآدم ؛ فإن إبليس لما كان الواهمة أحد مظاهره كان رفعتها رفعته ، وشرافتها باستخدام آدم لها شرافته ، وهبوط الواهمة كان هبوطا له ، وإذا أريد بالشجرة : النفس الإنسانية ارتفع الاختلاف من الأخبار ؛ فإن النفس الإنسانية شجرة لها أنواع الثمار والحبوب ، وأصناف الأوصاف والخصال ؛ لأن الحبوب والثمار وإن لم تكن بوجوداتها العينية الدانية الموجودة فيها لكن الكل بحقائقها موجودة فيها ، فتعيين تلك الشجرة بشيء من الحبوب والثمار ، والعلوم والأصناف بيان لبعض شؤونها . روى في تفسير الإمام : أنها شجرة علم محمد وآل محمد الذين آثرهم اللّه تعالى دون سائر خلقه ، فقال اللّه تعالى : « لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ . . شجرة العلم ؛