محمد حسين الذهبي

207

التفسير والمفسرون

ومثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 87 ) من سورة المائدة « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ » يقول ( . . . اعلم أن الإنسان ذو مراتب عديدة بعضها فوق بعض إلى ما لا نهاية له ، والتكاليف الإلهية الواردة عليه ليست لمرتبة خاصة منه بل - كما عرفت سابقا - للمفاهيم الواردة في التكاليف مصاديق متعددة بتعدد مراتب الإنسان ، بعضها فوق يعض ، فكل ما ورد في الشريعة المطهرة من الألفاظ فهي مقصودة من حيث مفاهيمها العامة باعتبار جميع مصاديقها بحيث لا يشذ عنها مصداق من المصاديق ، فالإنسان بحسب مرتبته النباتية له محللات إلهية ، وبحسب مرتبته الحيوانية أخرى ، وبحسب الصدر أخرى ، وبحسب القلب أخرى ، وبحسب الروح أخرى ، والتحريم الإلهى في كل مرتبة بحسبه ، وكذا تحريم الإنسان على نفسه . فالمحللات بحسب مرتبته الحيوانية والنباتية : ما أباح اللّه له من المأكول ، والمشروب ، والملبوس ، والمركوب ، والمنكوح والمسكن ، والمنظور . وبحسب الصدر : ما أباح اللّه له من الأفعال الإرادية ، والأعمال الشرعية ، والتدبيرات المعادية والمعاشية ، والأخلاق الجميلة ، والمكاشفات الصورية . وبحسب القلب : ما أباح اللّه له من الأعمال القلبية ، والواردات الإلهية ، والعلوم اللدنية ، والمشاهدات المعنوية الكلية . . . وهكذا في سائر المراتب . والطيبات من ذلك في كل مرتبة : ما تستلذه المدارك المختصة بتلك المرتبة ، ومطلق المباح في كل مرتبة طيب بالنسبة إلى مباح المرتبة الدانية منه ، وأن اللّه تعالى يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه ، ولا يحب الشره والاعتداء في رخصه بحيث يؤدى إلى الانتقال إلى ما هو حرام محظور بأصل الشرع ، أو بحيث يؤدى إلى صيرورة المباح حراما بفرض التجاوز عن حد الترخيص بالإكثار فيه ، كما لا يحب الامتناع عن رخصه ، فمعنى الآية : « يا أيها الذين آمنوا لا تمتنعوا من الرخص ، ولا تحرموا بقسم وشبهة ، ولا بكسل ونحوه ، على أنفسكم ما تستلذه المدارك بحسب كل مرتبة وقوة مما أباحه اللّه لكم ؛ لأن اللّه يحب أن يرى عبده مستلذا بما أباحه له ، كما يحب