محمد حسين الذهبي
200
التفسير والمفسرون
فكثيرا ما قرأت فيه العبارة المرة بعد المرة ، ولا أخرج منها إلا بالمعنى القاصر المبتور ، بعد أن يرتد إلى البصر خاسئا وهو حسير ، ويرجع الذهن عاجزا عن الفهم وهو كليل . . . وربما أكون واهما في هذا الحكم ؛ لقصور معرفتي باصطلاحات القوم ، وعدم وقوفي على أصول مذهبهم ومرامى رموزهم التي يرمزون بها . . ولو تيسر لي ذلك لجاز أن يكون لي حكم على هذا التفسير مغاير لهذا الحكم ، ورأى فيه مخالف لهذا الرأي . . والذي نلحظه في هذا التفسير بعد ذلك : أنه يدافع عن أصول مذهبه ويطيل في دفاعه ، مع تعصب كبير ، وتطرف بالغ إلى درجة الغلو والعناد . أما فروع المذهب ومسائله الاجتهادية الفقهية ، فيمر عليها مرا سريعا بدون تفصيل للأدلة وبيان لوجهة النظر ، كما نلحظ فيه أنه لا يقتصر على النقل من تفاسير الشيعة بل ينقل من تفاسير أهل السنة أيضا كالبيضاوى وغيره ، وكثيرا ما ينقل بعض العبارات الفارسية لبعض العلماء كشاهد على ما يقول . وبالجملة ، فالكتاب يكاد في جملته تفسيرا جاريا على النمط الذي يجرى عليه الصوفية في تفاسيرهم ، ويظهر أن مؤلفه كان يقصد هذا اللون الصوفي في تفسيره أولا وبالذات ؛ يدلنا على ذلك هذه العبارة التي نقتطفها من مقدمة تفسيره وهي قوله : ( . . . وقد كنت نشيطا منذ أوان اكتسابى للعلوم وعنفوان شبابي بمطالعة كتب التفاسير والأخبار ومدارستها ، ووفقني اللّه تعالى لذلك ، وقد كان يظهر لي بعض الأحيان من إشارات الكتب وتلويحات الأخبار لطائف ما كنت أجدها في كتاب ولا أسمعها من خطاب ، فأرادت أن أثبتها في وريقات ، وأجعلها نحو تفسير للكتاب ، لتكون تذكرة لي ولإخوانى المؤمنين ، وتنبيها لنفسي ولجملة الغافلين ، راجيا من اللّه أن يجعلها لي ذخيرة ليوم الدين ، ولسان صدق في الآخرين وهو جدير بأن يسمى ( بيان السعادة في مقامات العبادة . . ) اه « 1 » . فأنت ترى أن المؤلف يقرر هذه العبارة أن تفسيره هذا عبارة عن مجموعة
--> ( 1 ) ج 1 ص 3