محمد حسين الذهبي

154

التفسير والمفسرون

أهله في الناس وليسا في الناس ، ومعهم وليسا معهم ، لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا . وكان العلم مكتوما ، وأهله مظلوما ، لا سبيل لهم بإبرازه إلا بتعميته وإلغازه ، ثم خلف من بعدهم خلف غير عارفين ولا ناصبين ، لم يدروا ما صنعوا بالقرآن ، وعمن أخذوا التفسير والبيان . فعمدوا إلى طائفة يزعمون أنهم من العلماء ، فكانوا يفسرون لهم بالآراء ، ويروون تفسيره عمن يحسبونه من كبرائهم ؛ مثل أبي هريرة وأنس وابن عمرو نظرائهم ، وكانوا يعدون أمير المؤمنين من جملتهم ، ويجعلونه كواحد من الناس ، وكان خير من يستندون إليه بعده ابن مسعود وابن عباس ، ممن ليس على قوله كثير تعويل ، ولا له إلى لباب الحق سبيل ، وكان هؤلاء الكبراء ربما ينقلونه من تلقاء أنفسهم عير خائفين من مآله ، وربما يسندونه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وآله ومن الآخذين عنهم من لم يكن له معرفة بحقيقة أحوالهم ، لما تقرر عندهم من أن الصحابة كلهم عدول ولم يكن لأحد منهم عن الحق عدول ، ولم يعلموا أن أكثرهم كانوا يطنون النفاق ، ويجترئون على اللّه ويفترون على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في عزة وشقاق ، وهكذا كان حال الناس قرنا بعد قرن ، فكان لهم في كل قرن رؤساء ضلالة ، عنهم يأخذون ، وإليهم يرجعون ، وهم بآرائهم يجيبون ، أو إلى كبرائهم يستندون ، وربما يروون عن بعض أئمة الحق عليهم السلام في جملة ما يروون عن رجالهم ، ولكن يحسبونه من أمثالهم ، فتبالهم ولأدب الرواية ، إذ ما رعوها حق الرعاية ، نعوذ باللّه من قوم حذفوا محكمات الكتاب ، ونسوا اللّه رب الأرباب ، وراموا غير باب اللّه أبوابا ، واتخذوا من دون اللّه أربابا ، وفيهم أهل بيت نبيهم ، وهم أزمة الحق ، وسنة الصدق ، وشجرة النبوة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، ومهبط الوحي ، وعيبة العلم ، ومنار الهدى ، والحجج على أهل الدنيا ، خزائن أسرار الوحي والتنزيل ، ومعادن جواهر العلم والتأويل ، والأمناء على الحقائق ، والخلفاء على الخلائق . أولو الأمر الذين أمروا بطاعتهم ، وأهل الذكر الذين أمروا بمسألتهم ، وأهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، والراسخون في العلم الذين عندهم