محمد حسين الذهبي
132
التفسير والمفسرون
إلا بالمقابلة والتوجه ، واللّه يتعالى عن ذلك بالاتفاق . وأيضا فإن رؤية الحاسة لا تتم إلا باتصال الشعاع بالمرئى ، واللّه منزه عن اتصال الشعاع به . على أن النظر لا يفيد الرؤية في اللغة ، فإنه إذا علق بالعين أفاد طلب الرؤية . كما أنه إذا علق بالقلب أفاد طلب المعرفة بدلالة قولهم نظرت إلى الهلال فلم أره ، فلو أفاد النظر الرؤية لكان هذا القول ساقطا متناقضا ، وقولهم ما زلت أنظر إليه حتى رأيته ، والشيء لا يجعل غاية لنفسه ، فلا يقال ما زلت أراه حتى رأيته ولأنا نعلم الناظر ناظرا بالضرورة ، ولا نعلمه رائيا بالضرورة ، بدلالة أنا نسأله هل رأيت أم لا ؟ . وأما من حمل النظر في الآية على الانتظار فإنهم اختلفوا في معناه على أقوال : أحدها أن المعنى منتظرة لثواب ربها . . روى ذلك عن مجاهد ، والحسن وسعيد بن جبير ، والضحاك . . وهو المروى عن علي . ومن اعترض على هذا بأن قال : إن النظر بمعنى الانتظار لا يتعدى بإلى ، فلا يقال انتظرت إليه ، وإنما يقال انتظرته ، فالجواب عنه على وجوه : منها : أنه قد جاء في الشعر بمعنى الانتظار ومعدى بإلى ، كما في البيت الذي سبق ذكره ( . . . ناظرات * إلى الرحمن « 1 » ) وكقول جميل بن معمر : وإذا نظرت إليك من ملك * والبحر دونك زدتنى نعما « 2 » وقول الآخر : إني إليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغنى الموسر
--> ( 1 ) وذلك حيث فسر النظر لغة فقال ( . . . والنظر تقليب الحدقة الصحيحة نحو المرئى طلبا لرؤيته . ويكون النظر بمعنى الانتظار كما قال عز شأنه ( وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة ) أي منتظرة ، وقال الشاعر : وجوه يوم بدر ناظرات * إلى الرحمن تنظر الفلاحا ثم يستعمل في الفكر فيقال : نظرت في هذه المسألة أي تفكرت : ومنه المناظرة : وتكون بمعنى المقابلة ، يقال : دور بنى فلان تتناظر أي تتقابل ) ج 2 ص 552 ( 2 ) وفي رواية جدتنى نعما ، أي : جدت على :