محمد حسين الذهبي
129
التفسير والمفسرون
فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 125 ) من سورة الأنعام ( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً . . . الآية ) يقول ما نصه ( . . . قد ذكر في تأويل الآية وجوه : أحدها : أن معناه من يرد اللّه أن يهديه إلى الثواب وطريق الجنة يشرح صدره للإسلام في الدنيا ؛ بأن يثبت عزمه عليه ، ويقوى دواعيه على التمسك به ، ويزيل عن قلبه وساوس الشيطان وما يعرض في القلوب من الخواطر الفاسدة . وإنما يفعل ذلك لطفا له ومنا عليه وثوابا على اهتدائه بهدى اللّه وقبوله إياه ، ونظيره قوله سبحانه « وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً « 1 » » « وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً « 2 » » . « وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ » عن ثوابه وكرامته « يَجْعَلْ صَدْرَهُ » في كفره « ضيقا حرجا » عقوبة له على ترك الإيمان من غير أن يكون سبحانه مانعا له عن الإيمان وسالبا إياه القدرة عليه ، بل ربّما يكون ذلك سببا داعيا له إلى الإيمان ، فإن من ضاق صدره بالشئ كان ذلك داعيا له إلى تركه ، والدليل على أن شرح الصدر قد يكون ثوابا قوله تعالى « أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ . . . الآيات « 3 » » ومعلوم أن وضع الوزر ورفع الذكر يكون ثوابا على تحمل أعباء الرسالة وكلفها ، وكذلك ما قرن به من شرح الصدر . والدليل على أن الهدى قد يكون إلى الثواب قوله « وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ » ومعلوم أن الهداية بعد القتل لا تكون إلا إلى الثواب ؛ فليس بعد الموت تكليف ، وقد وردت الرواية الصحيحة : أنه لما نزلت هذه الآية سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن شرح الصدر : ما هو ؟ فقال : نور يقذفه اللّه في قلب المؤمن فيشرح له صدره وينفسح ، قالوا ؛ فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ . قال : نعم . . الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل نزول الموت .
--> ( 1 ) في الآية ( 17 ) من سورة محمد عليه السلام . ( 2 ) الآية ( 76 ) من سورة مريم ( 3 ) أول سورة الانشراح