محمد حسين الذهبي
118
التفسير والمفسرون
وثانيها : أن الأرجل إذا كان معطوفا على الرؤوس ، وكان الفرض في الرؤوس المسح الذي ليس بغسل بلا خلاف ، فيجب أن يكون حكم الأرجل كذلك ؛ لأن حقيقة العطف تقتضى ذلك . وثالثها : أن المسح لو كان بمعنى الغسل لسقط استدلالهم بما رووه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه توضأ وغسل رجليه ، لأن على هذا لا ينكر أن يكون مسحهما فسموا المسح غسلا وفي هذا ما فيه . فأما استشهاد أبى زيد بقولهم : تمسحت للصلاة ، فالمعنى فيه : أنهم لما أرادوا أن يخبروا عن الطهور بلفظ موجز ولم يجز أن يقولوا تغسلت للصلاة لأن ذلك تشبيه ، بالغسل ، قالوا بدلا من ذلك تمسحت ؛ لأن المغسول من الأعضاء ممسوح أيضا فتجوزوا لذلك تعويلا على أن المراد مفهوم ، وهذا لا يقتضى أن يكونوا جعلوا المسح من أسماء الغسل . وأما ما قالوا في تحديد طهارة الرجلين فقد ذكر المرتضى في الجواب عنه : أن ذلك لا يدل على الغسل ، وذلك لأن المسح فعل قد أوجبته الشريعة كالغسل فلا ينكر تحديده كتحديد الغسل ، ولو صرح سبحانه وتعالى فقال : وامسحوا أرجلكم وانتهوا بالمسح إلى الكعبين لم يكن منكرا . فإن قالوا : إن تحديد اليدين لما اقتضى الغسل فكذلك تحديد الرجلين يقتضى الغسل قلنا : إنا لم نوجب الغسل في اليدين للتحديد بل للتصريح بغسلهما ، وليس كذلك في الرجلين ، وإن قالوا : عطف المحدود على المحدود أولى وأشبه بترتيب الكلام . قلنا : هذا لا يصح ؛ لأن الأيدي محدودة وهي معطوفة على الوجوه التي ليست في الآية محدودة ، فإذا جاز عطف الأرجل وهي محدودة ، على الرؤوس التي ليست بمحدودة ، وهذا أشبه مما ذكرتموه ؛ لأن الآية تضمنت ذكر عضو مغسول غير محدود وهو الوجه ، وعطف عضو محدود مغسول عليه ، ثم استؤنف ذكر عضو ممسوح غير محدود ، فيجب أن يكون أرجل ممسوحة محدودة معطوفة على الرؤوس دون غيره . ليتقابل الجملتان في عطف مغسول محدود على مغسول غير محدود ، وعطف ممسوح محدود على ممسوح غير محدود .