محمد حسين الذهبي
75
التفسير والمفسرون
وأخرج الطبراني بعضها الآخر في معجمه الكبير ، وقد ذكر السيوطي في الإتقان بسنده مبدأ هذا الحوار الذي كان بين نافع وابن عباس ، وسرد مسائل ابن الأزرق وأجوبة ابن عباس عنها ، فقال : « بينا عبد اللّه ابن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن ، فقال نافع بن الأزرق لنجدة بن عويمر : بنا إلى هذا الذي يجترئ على تفسير القرآن بما لا علم له به ، فقاما إليه فقالا : إنا نريد أن نسألك عن أشياء من كتاب اللّه فتفسرها لنا ، وتأتينا بمصادقه من كلام العرب ؛ فإن اللّه تعالى إنما أنزل القرآن بلسان عربى مبين ، فقال ابن عباس : سلانى عما بدا لكما ، فقال نافع : أخبرني عن قول اللّه تعالى « عن اليمين وعن الشمال عزين « 1 » قال : العزون : حلق الرفاق ، قال : هل تعرف العرب ذلك ؟ . قال : نعم ، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول : فجاءوا يهرعون إليه حتى * يكونوا حول منبره عزينا ؟ قال أخبرني عن قوله « وابتغوا إليه الوسيلة » « 2 » . قال : الوسيلة : الحاجة ، قال وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم ، أما سمعت عنترة وهو يقول : إن الرجال لهم إليك وسيلة * إن يأخذوك تكحلى وتخضبى إلى آخر المسائل وأجوبتها « 3 » ، وهي تدل على قوة ابن عباس في معرفته بلغة العرب ، وإلمامه بغريبها ، إلى حد لم يصل إليه غيره ، مما جعله - بحق - إمام التفسير في عهد الصحابة ، ومرجع المفسرين في الأعصر التالية للعصر الذي وجد فيها وزعيم هذه الناحية من التفسير على الخصوص ، حتى لقد قيل في شأنه « إنه هو الذي أبدع الطريقة اللغوية لتفسير القرآن « 4 » » .
--> ( 1 ) في الآية ( 37 ) من سورة المعارج . ( 2 ) في الآية ( 35 ) من سورة المائدة . ( 3 ) وهي في الاتقان ج 1 ص 120 . ( 4 ) المذاهب الاسلامية في تفسير القرآن 69 .