محمد حسين الذهبي

70

التفسير والمفسرون

يشفيه ، حتى قال ابن عباس وهو خلفه : يا أمير المؤمنين إني أجد في نفسي منها شيئا ، فتلفت إليه فقال تحول هاهنا ، لم تحقر نفسك ؟ قال : هذا مثل ضربه اللّه عز وجل فقال : أيود أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة ، حتى إذا كان أحوج ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فنى عمره واقترب أجله ، ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء فأفسده كله ، فحرقه أحوج ما كان إليه » ا ه « 1 » وسؤال عمر له مع الصحابة عن تفسير قوله تعالى « إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ » وجوابه بالجواب المشهور عنه ، يدل على أن ابن عباس كان يستخرج خفى المعاني التي يشير إليها القرآن ، ولا يدركها إلا من نفحه اللّه بنفحة من روحه ، وكثيرا ما ظهر ابن عباس في المسائل المعقدة في التفسير بمظهر الرجل الملهم الذي ينظر إلى الغيب من ستر رقيق ، كما وصفه على رضى اللّه عنه ، الأمر الذي جعل الصحابة يقدرون ابن عباس ويثقون بتفسيره ، ولقد وجد هذا التقدير صداه في عصر التابعين ، فكانت هناك مدرسة يتلقى تلاميذها التفسير عن ابن عباس . استقرت هذه المدرسة بمكة ، ثم غذت بعلمها الأمصار المختلفة ، وما زال تفسير ابن عباس يلقى من المسلمين إعجابا وتقديرا ، إلى درجة أنه إذا صح النقل عن ابن عباس لا يكادون يعدلون عن قوله إلى قول آخر . وقد صرح الزركشي بأن قول ابن عباس مقدم على قول غيره من الصحابة عند تعارض ما جاء عنهم في التفسير . « 2 » رجوع ابن عباس إلى أهل الكتاب : كان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير ، يرجعون في فهم معاني القرآن إلى ما سمعوه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإلى ما يفتح اللّه به عليهم من طريق النظر والاجتهاد ، مع الاستعانة في بمعرفة أسباب

--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 3 ص 47 ( 2 ) الاتقان ج 2 ص 183