محمد حسين الذهبي

7

التفسير والمفسرون

ويجلى لهم ما خفى عن إدراكهم ، وهو الذي عليه البيان كما أن عليه البلاغ ، واللّه تعالى يقول له وعنه : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) « 1 » . ظل المسلمون على هذا يفهمون القرآن على حقيقته وصفائه ، ويعملون به على بينة من هدية وضيائه ، فكانوا من أجل ذلك أعزاء لا يقبلون الذل ، أقوياء لا يعرفون الضعف ، كرماء لا يرضون الضيم ، حتى دانت لهم الشعوب وخضعت لهم الدول . ثم خلف من بعدهم خلف تفرقوا في الدين شيعا ، وأحدثوا فيه بدعا وبدعا ، وكانت فتن كقطع الليل المظلم ، لا خلاص منها إلا بالرجوع إلى كتاب اللّه وسنة رسوله ، ولا نجاة من شرها إلا بالتمسك بالقرآن ، وهو الحبل الذي طرفه بيد اللّه وطرفه بأيديهم . وكان من بين المسلمين من أهمل هداية القرآن ، وركب رأسه في طريق الغواية ، فلم ينهج هذا المنهج الواضح القويم الذي سلكه سلفه الصالح في فهم القرآن الكريم والأخذ به ، فأخذ يتأول القرآن على غير تأويله ، وسلك في شرح نصوصه طريقا متلوية فيها ، تعسف ظاهر وتكلف غير مقبول ، وكان الذي رمى به في هذه الطريق الملتوية التي باعدت بينه وبين هداية القرآن ، هو تسلط العقيدة على عقله وقلبه ، وسمعه وبصره ، فحاول أن يأخذ من القرآن شاهدا على صدق بدعته ، وتحايل على نصوصه الصريحة لتكون دعامة يقيم عليها أصول عقيدته ونزعته ، فحرف القرآن عن مواضعه ، وفسر ألفاظه على تحمل ما لا تدل عليه ، فكان من وراء ذلك فتنة في الأرض وفساد كبير ! ! . . وكان بجوار هذا الفريق من المسلمين ، فريق آخر منهم ، برع في علوم

--> ( 1 ) في الآية 44 من سورة النحل .